نص قصيدة ذكريات
محتوى المقال
قصيدة الحنين واستعادة الماضي في الشعر السوداني
مقدمة
تُعد قصيدة «ذكريات» من أشهر قصائد محمد سعيد العباسي، وتظهر في المصادر الشعرية المتداولة بعنوانها هذا مع مطلعها المعروف: «أقصرتُ مذ عاد الزمانُ فأقْصَرا». كما تكشف أبياتها الأولى عن بناء خاص يقوم على مصالحة الشاعر مع الزمن بعد جفاء، ثم انتقاله إلى الامتنان والابتهاج بالجمال والمكان.
وتزداد أهمية القصيدة لأنها لا تقف عند حدود الذكرى الشخصية، بل تنفتح على مصر بوصفها موضعًا للبهاء والحنين والدهشة، وهو ما يظهر بوضوح في الأبيات المتداولة التي تشبّه مصر بالشمس وتصف أثر جمالها في عين الشاعر ونفسه.
يمكنك أيضًا قراءة الدراسة الأدبية الكاملة لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة ذكريات – محمد سعيد العباسي
نص القصيدة
أقصرتُ مذ عاد الزمانُ فأقْصَرا
وغفرتُ لما جاءني مُستغفِرا
ما كنتُ أرضى يا زمانُ لَوَ انني
لم ألقَ منكَ الضاحكَ المستبشرا
يا مرحباً قد حقّق اللهُ المنى
فعلَيَّ إذ بُلّغْتُها أن أشكرا
يا حبّذا وادٍ نزلتُ، وحبذا
إبداعُ من ذرأ الوجودَ ومن برا
مِصْرٌ، وما مصرٌ سوى الشمسِ التي
بهرتْ بثاقب نورِها كلَّ الورى
ولقد سعيتُ لها فكنتُ كأنما
أسعى لطيبةَ أو إلى أُمِّ القُرى
وبقيتُ مأخوذاً وقيّدَ ناظري
هذا الجمالُ تَلفُّتاً وتَحيُّرا
****
فارقتُها والشَّعرُ في لون الدجى
واليومَ عدتُ به صباحاً مُسْفِرا
سبعون قَصّرتِ الخُطا فتركنَني
أمشي الهُوينى ظالعاً مُتَعثِّرا
من بعد أنْ كنتُ الذي يطأ الثرى
زهواً ويستهوي الحسانَ تَبختُرا
فلقيتُ من أهلي جحاجحَ أكرموا
نُزُلي وأولوني الجميلَ مُكرَّرا
وصحابةً بَكَروا إليَّ وكلُّهم
خَطَب العُلا بالمكرمات مُبَكِّرا
يا من وجدتُ بحيّهم ما أشتهي
هل من شبابٍ لي يُباع فيُشترى؟
ولَوَ انّهم ملكوا لما بخلوا بهِ
ولأرجعوني والزمانَ القهقرى
لأظلَّ أرفل في نعيمٍ فاتني
زمنَ الشبابِ وفِتُّه مُتحسِّرا
ووقفتُ فيها يومَ ذاك بمعهدٍ
كم من يدٍ عندي له لن تُكْفَرا
دارٌ درجتُ على ثراها يافعاً
ولبستُ من بُرْد الشبابِ الأنضرا
****
يا دارُ أين بنوكِ إخواني الأُلى
رفعوا لواءكِ دارعين وحُسَّرا؟
زانوا الكتائبَ فاتحين وبعضُهم
بالسيف ما قنعوا فزانوا المنبرا
سبحان من لو شاء أعطاني كما
أعطاهمو وأحلّني هذي الذرى
لأُريهم وأُري الزمانَ اليومَ ما
شأني فكلُّ الصَّيْدِ في جوف الفَرا
إني لأذكرهم فيُضنيني الأسى
ومن الحبيب إليَّ أنْ أتذكّرا
لم أنسَ أيامي بهم وقَدِ انقضتْ
وكأنّها واللهِ أحلامُ الكرى
****
كذب الذي ظنّ الظنونَ فزفّها
للناس عن مصرٍ حديثاً يُفترى
والناسُ فيكِ اثنان شخصٌ قد رأى
حُسْناً فهام به، وآخرُ لا يرى
والسرُّ عند اللهِ جلّ جلالهُ
سَوّى به الأعمى وسَوّى المُبصِرا
يا من رعيتُ ودادَه وعددتُهُ
درعاً إذا جار الزمانُ ومِغْفَرا
اسمعْ نصيحةَ صادقٍ ما غيّرتْ
منه الخطوبُ هوىً ولن يتغيّرا
لم آتِ أجهلُ فضلَ رأيكَ والحِجى
لكنْ أتيتُكَ مُشفِقاً ومُذَكِّرا
والنصحُ من شيمِ الصديقِ فإن ونى
عَدُّوه في شرع الودادِ مُقصِّرا
عمري كتابٌ والزمانُ كقارئٍ
أبلى الصحائفَ منه إلا أَسْطُرا
فعلمتُ منه فوق ما أنا عالمٌ
ورأيتُ من أحداثه ما لا يُرى
****
قل لي: فديتُكَ ما الذي ترجوه من
تاجٍ وقد أُلْبِسْتَ تاجاً أزهرا
وورثتَ في ما قد ورثتَ شمائلاً
كانت أرقَّ من النسيم إذا سرى
أما السماحُ فلا يساجلكَ امرؤٌ
فيه ملكتَ جماعةً مُستأثِرا
فاربأْ بنفسكَ أن تكون مطيّةً
للخادعين وللسياسة مَعْبرا
وحذارِ من رُسل القطيعةِ إنهم
رهطٌ قد انتظموا ببابكَ عسكرا
ما ساقهم حبٌّ إليكَ وإنما
حُشِروا وجِيء بهم لأمر دُبِّرا
ولأنْ تبيتَ على الطوى وتظلّهُ
وتضمّ شملَ المسلمين وتُنْصَرا
خيرٌ، ففي التاريخ إن قلّبتَهُ
عظةٌ لذي نظرٍ وَعى وتَدبّرا
****
انظرْ إلى الملك «الحُسين» وإنه
من عترةٍ هي خيرُ من وطىء الثرى
منحوه تاجاً ثم لم يرضَوْا به
ذهباً فصاغوه لديه جوهرا
عجموه فاستعصى فلمّا استيأسوا
نزعوه عن فَوْديه نَزْعاً مُنكَرا
ويحٌ لهذا الشرقِ نام بنوه عن
طلبِ العلا وتأخّروا فتأَخّرا
ظنّوا السعادةَ وَهْيَ أسمى غايةٍ
قَصْراً يُشاد وبزّةً أو مَظهرا
قادتهمُ الأطماعُ حتى أشْبهوا
كبشَ الفِدا والجزلَ من نار القِرى
والجمرُ إن أخفى الرمادُ أُوارَهُ
شقيتْ به كفُّ الصبيِّ وما درى
واللهُ أحمدُ حين أبرزَ للورى
من غيبه ما كان سِرّاً مُضمَرا
مكانة القصيدة
احتلت «ذكريات» مكانة واضحة في شعر العباسي لأنها تمثل جانبًا مهمًا من صوته الشعري: الحنين الممزوج بالكرامة، واللغة الكلاسيكية الحية، والانفتاح الوجداني على مصر والمكان الجميل. كما أن حضور القصيدة في عدد من المواقع الشعرية وفي صفحة مستقلة على ويكي مصدر يدل على استمرار تداولها بوصفها واحدة من نصوصه البارزة.
نبذة عن الشاعر
محمد سعيد العباسي شاعر سوداني وُلد سنة 1880 وتوفي سنة 1963، وتصفه المراجع الحديثة بأنه من كبار شعراء السودان ومن رواد المدرسة التقليدية المحدثة فيه. كما تشير هذه المراجع إلى صلته بالشعر العربي الكلاسيكي وإلى مكانته البارزة في تاريخ الأدب السوداني الحديث.
يمكنك قراءة المقال الكامل عن الشاعر هنا:
محمد سعيد العباسي: شاعر الأصالة والوجدان في الأدب السوداني
خاتمة
تبقى «ذكريات» من القصائد التي أحبها القراء لأنها تجعل الذكرى فعلًا من أفعال الصفاء لا البكاء فقط، وتحوّل المكان إلى تجربة وجدانية وحضارية في آن واحد. ولهذا ظلت القصيدة واحدة من أبرز نصوص محمد سعيد العباسي، لأنها تقول بلغة جزلة وعاطفة واضحة إن الماضي قد يعود أحيانًا لا ليؤلم، بل ليصالح القلب مع الزمن.
قصائد أخرى لمحمد سعيد العباسي
- نص قصيدة يوم التعليم
- نص قصيدة مليط
- نص قصيدة عهد جيرون

