قصيدة ذكريات

الذاكرة الشعرية والحنين إلى الماضي في الأدب السوداني

الذكرى حين تتحول إلى مصالحة مع الزمن

تظهر قصيدة «ذكريات» في المصادر الشعرية المتداولة ضمن أشهر قصائد محمد سعيد العباسي، ويُعرَّف العباسي في المراجع الحديثة بأنه شاعر سوداني بارز عاش بين 1880 و1963، وأنه يُعد من كبار شعراء السودان ومن رواد نهضة الشعر العربي الفصيح فيه، كما تذكر هذه المراجع أن من أشهر قصائده ذكريات وعهد جيرون ومليط ويوم التعليم. ويكشف مطلع القصيدة المنشور في المواقع النصية عن نبرة خاصة جدًا: ليست نبرة حنين خالص من أول لحظة، بل نبرة مراجعة ومصالحة؛ إذ يبدأ الشاعر بقوله: «أقصرتُ مذ عاد الزمانُ فأقصرا / وغفرتُ لما جاءني مستغفِرا». وهذا المطلع وحده يكفي ليبين أن الذكرى في هذه القصيدة ليست استرجاعًا ساكنًا لما مضى، بل فعلًا نفسيًا مركبًا فيه مراجعة للزمن، ومحاسبة له، ثم عفوٌ عنه حين يعود.

وسرّ أهمية القصيدة أنها تكشف وجهًا أصيلًا من شعر العباسي: الوجه الذي يجمع بين الجزالة الكلاسيكية والوجدان الحي. فالعباسي ليس شاعرًا وجدانيًا منفصلًا عن اللغة التراثية، ولا شاعر إحياء جامدًا يكرر القوالب القديمة فقط، بل شاعر يستطيع أن يحوّل الحنين إلى بناء شعري رفيع، تتجاور فيه الألفة الشخصية مع البعد الحضاري، ويظهر فيه المكان بوصفه عالمًا روحيًا لا مجرد جغرافيا. وهذا واضح على نحو خاص حين تصل القصيدة إلى مصر، فتقول في بعض أشهر أبياتها: «مصرُ، وما مصرُ سوى الشمسِ التي / بهرتْ بثاقب نورِها كلَّ الورى»، وهي أبيات استُشهد بها في دراسات ومقالات عن صورة مصر في الشعر السوداني.

ومن هنا فإن «ذكريات» ليست قصيدة حنين شخصي فحسب، ولا قصيدة مديح لمصر فقط، بل نصٌّ أوسع من ذلك: نصٌّ عن عودة الصفاء بعد طول جفاء، وعن الذاكرة حين تتجدد لا لتبكي الماضي فقط، بل لتعيد ترتيب العلاقة بالحاضر. وفي هذا المعنى تبدو القصيدة من أجمل نصوص العباسي، لأنها تجمع بين الغبطة والوفاء، وبين الامتنان والدهشة، وبين التذكر والسمو الروحي.

يمكنك أيضًا قراءة النص الكامل لهذه القصيدة هنا:
نص قصيدة ذكريات – محمد سعيد العباسي

عنوان القصيدة

«ذكريات» لا «ذكرى»

من أول مفاتيح القراءة أن العباسي اختار عنوان «ذكريات» بصيغة الجمع، لا «ذكرى» بصيغة المفرد. وهذا الاختيار له دلالة واضحة. فالشاعر لا يعود إلى صورة واحدة محددة من الماضي، بل إلى عالم كامل من الاستدعاءات. والذاكرة هنا ليست لقطة واحدة، بل سلسلة من المشاهد والأحوال والأمكنة والمشاعر التي تتدافع في النفس دفعة واحدة. ومن ثم فإن القصيدة منذ عنوانها تهيئنا لنص يقوم على التدفق الاسترجاعي، لا على موقف واحد مغلق. والواقع أن المقتطفات المتاحة من النص تؤيد ذلك؛ إذ تبدأ القصيدة من الزمان ذاته، ثم تنتقل إلى تحقيق المنى، ثم إلى الوادي، ثم إلى مصر، ثم إلى أثر الجمال في العين، وهو ما يدل على حركة داخلية من محطة إلى أخرى.

وهذه الصيغة الجمعية تمنح القصيدة أيضًا بعدًا نفسيًا لطيفًا. فالذكرى الواحدة قد تكون حادة ومؤلمة أو محددة الملامح، أما الذكريات فتدل على شيء أكثر امتدادًا وثراءً: على ماضٍ تتناثر فيه الأضواء ولا ينحصر في مشهد واحد. ومن هنا يبدو أن العباسي لا يريد أن يكتب قصيدة في حادثة، بل قصيدة في حالة تذكّر كاملة، تملك على النفس أبوابًا متعددة، وتجعلها تتحرك بين الصفح، والامتنان، والحنين، والدهشة. وهذا يناسب شاعرًا مثله، عُرف بقدرته على حمل التجربة الوجدانية في ثوب لغوي مشدود البناء.

كما أن العنوان يحمل شيئًا من الهدوء والتوازن. فهو لا يعلن الفاجعة، ولا يصرخ بالأسى، بل يقدّم نفسه بلفظة لينة، واسعة، ذات أفق تأملي. وهذا مهم لأن القصيدة، على ما فيها من حرارة، لا تبدو مرثية للحياة أو بكاء على ما فات، بل تبدو أقرب إلى زيارةٍ للذاكرة بقلب تعلم من الزمن شيئًا من التسامح والنضج. ومن ثم فإن عنوانها لا يغرّبنا عنها، بل يدخلنا إليها من بابها الصحيح: باب التذكر المُصفّى، لا باب الحسرة المنفلتة.

المطلع

الزمان يعود معتذرًا

المطلع من أقوى ما في القصيدة: «أقصرتُ مذ عاد الزمانُ فأقصرا / وغفرتُ لما جاءني مستغفِرا». والمثير في هذين البيتين أن الشاعر يعامل الزمان كأنه شخص حيّ، أخطأ ثم عاد معتذرًا، فخفف العباسي من شدته، وقَبِل منه هذا الرجوع. وهذه ليست مجرد استعارة بلاغية عابرة، بل هي المدخل النفسي العميق للقصيدة كلها. فالزمان في أصل التجربة كان موضع خصومة، أو على الأقل موضع جفاء وامتحان، ثم حدث ما يشبه الصلح. وهنا يظهر المعنى الدقيق للحنين عند العباسي: إنه ليس بكاءً على زمن خان فحسب، بل مصالحة مع الزمن حين يعيد إلى الشاعر شيئًا مما سلبه.

وهذا المطلع يكشف عن نضج شعوري جميل. فالشاعر لا يبدأ بالغضب، ولا بالتشكي، بل يبدأ من لحظة الانفراج. لقد كان بينه وبين الزمان أخذ وردّ، لكن الزمان عاد، أو على الأقل أعاد له ما يستحق أن يُغفَر له بسببه. ومن هنا تتولد نبرة الامتنان التي ستظهر بعد قليل في قوله: «يا مرحبًا قد حقق الله المنى / فعليَّ إذ بُلّغتُها أن أشكرا». أي أن القصيدة لا تُبنى على شكوى من الحرمان، بل على دهشة استرداد ما كان مؤجلًا أو بعيدًا. وهذا يعطي النص نغمة خاصة جدًا: نغمة من عرف الجفاء، ثم فوجئ بالوصال.

ومن الناحية الفنية، هذا المطلع شديد الأهمية لأنه يُشخّص الزمن ويحوّله إلى خصمٍ ثم إلى معتذرٍ، وبذلك يرفع التجربة من مستوى الذكرى البسيطة إلى مستوى الدراما الداخلية. فالقصيدة لا تستعيد مكانًا فقط، بل تستعيد علاقة الشاعر بالزمان نفسه. وهذا من أجمل ما يمكن أن يفتتح به نصٌّ في الذكريات، لأن الماضي لا يعود فيه على هيئة صور فقط، بل على هيئة تسوية روحية بين الذات وبين ما مرّ بها من الأيام.

الامتنان بعد الامتحان

تحقق المنى

حين يقول العباسي: «يا مرحبًا قد حقق الله المنى / فعليَّ إذ بُلّغتُها أن أشكرا» ينتقل النص من المصالحة مع الزمن إلى الامتنان الصريح. وهذه النقلة مهمة، لأنها تؤكد أن الذكريات هنا ليست سجنًا للماضي، بل بابًا إلى غبطة حاضرة. فالشاعر لا يقول إنه غارق في الأمس، بل يقول إن مناه قد تحققت، وإنه صار في موضع يقتضي الشكر. وهذا المعنى ينسجم مع سائر الأبيات المتداولة التي تلي ذلك، حيث تظهر مصر والوادي والبهاء والدهشة.

وفي هذا المقام تبرز خاصية أساسية من خصائص القصيدة: أنها لا تصوغ الذكرى بوصفها ألمًا فقط، بل بوصفها نعمة متأخرة. الذاكرة هنا تعيد للشاعر ما كان يريد أن يبلغه، أو تؤكد له أن ما بلغه يستحق أن يُستقبل بالشكر لا بالاعتياد. وهذا المعنى نادر نسبيًا في شعر الحنين؛ فكثير من نصوص الحنين تغرق في الفقد، أما العباسي هنا فيجعل الذاكرة جزءًا من تحقق المنى، لا مجرد مرآة للخسارة. ومن ثم فإن القصيدة تبدو أصفى من الرثاء، وأقرب إلى الابتهاج الموقَّر.

كما أن هذا الامتنان لا يأتي في صيغة صوفية عائمة فقط، بل يرتبط بسرعة بالمكان. فالشكر ليس على أمر مبهم، بل على بلوغ وادٍ، وعلى رؤية مصر، وعلى لقاء جمال حقيقي يملأ العين. وهكذا تمضي القصيدة من الباطن إلى الظاهر: من الزمان المعتذر، إلى النفس الشاكرة، إلى المكان الذي صار شاهدًا على هذه المصالحة. وهذه حركة فنية محكمة تعطي النص تماسكًا نفسيًا واضحًا.

الوادي

من الطبيعة إلى الفسحة الروحية

من الأبيات المتداولة في القصيدة قوله: «يا حبّذا وادٍ نزلتُ، وحبذا / إبداعُ من ذرأ الوجودَ ومن برا». وهذه الأبيات تفتح في النص نافذة على الطبيعة، لكنها ليست طبيعة حيادية أو باردة. الوادي هنا ليس مجرد مكان جميل، بل موضع بركة وانشراح، ولذلك يتصل مباشرة بالتسبيح للإبداع الإلهي. أي أن العباسي لا يرى جمال الوادي بمنظار بصري فقط، بل بمنظار روحي وتأملي أيضًا.

وهذه النقلة من المكان إلى الخالق تكشف عن حسٍّ شعريٍّ أصيل. فالمكان الجميل لا يكتمل في نظر الشاعر بوصفه، بل باسترداده إلى أصله الأعلى: الإبداع الإلهي. ومن هنا فإن قصيدة «ذكريات» لا تعيش في نطاق الحنين الجغرافي وحده، بل في نطاق الانفتاح على معنى الخلق والجمال في العالم. وهذا يعطيها طبقة إضافية من الصفاء؛ لأن الذكرى لا تتعلق عندئذٍ بمشهد عابر، بل بما فيه من أثر القدرة والجمال الأول.

كما أن الوادي في الشعر العربي الكلاسيكي يحمل عادة معنى الخصب والسعة والانفراج، وهنا يبدو مناسبًا جدًا لحالة الشاعر بعد الضيق والأرق. فالقصيدة بدأت بهمٍّ يطول، ثم صلح مع الزمن، ثم شكر على تحقق المنى، ثم نزل واديًا يحسن فيه القول: يا حبّذا. وكأن البناء النفسي للقصيدة يصعد من الضيق إلى الفسحة، ومن القلق إلى السكون الجميل. وهذه من علامات النضج في النص: أن تكون الطبيعة فيه جوابًا شعوريًا لا زخرفة خارجية.

مصر في القصيدة

من البلد إلى الرمز الشمسي

من أشهر أبيات القصيدة بلا شك قوله: «مصرُ، وما مصرُ سوى الشمسِ التي / بهرتْ بثاقب نورِها كلَّ الورى»، وهو بيت استُشهد به في أكثر من مادة عن صورة مصر في الشعر السوداني، كما أوردته مقالات ودراسات عن العباسي نفسه. ويكشف هذا البيت وحده عن مقدار التعظيم الرمزي الذي تحمله مصر في النص. فهي ليست بلدًا وحسب، بل شمس، أي مركز ضوء وإشراق وهيمنة روحية وجمالية. وهذا التشبيه يرفع مصر من الجغرافيا إلى مقام الرمز الكوني تقريبًا.

والشمس هنا ليست مجازًا للسطوع فقط، بل مجاز للهداية والجذب والسيادة أيضًا. فالشمس لا تكتفي بأن تضيء، بل تفرض حضورها على كل ما حولها، والعباسي يحمّل مصر هذا المعنى. إنها تُبهِر، أي لا تمر مرورًا عاديًا، بل تستولي على البصر والوجدان. ومن هنا يتضح أن علاقة الشاعر بمصر ليست علاقة زيارة عابرة، بل افتتان حقيقي. وهو ما تؤكده الأبيات التالية حين يقول إنه سعى إليها كأنما يسعى إلى طيبة أو أم القرى، أي أنه يضعها في تخييله بالقرب من المراكز الروحية الكبرى في الوعي الإسلامي العربي.

وفي هذا ما يكشف عن طبيعة العباسي الثقافية. فهو شاعر سوداني، نعم، لكنه ينظر إلى مصر لا من زاوية سياسية ضيقة، بل من زاوية حضارية وجدانية. هي شمس، وهي بلد يساوي في الشعور الروحي والرمزي مدنًا مقدسة. ولذلك فإن حضوره في القصيدة ليس حضور مدح مناسباتي، بل حضور محبة عميقة. وهذا ما جعل بعض الكتّاب يتحدثون عن «عشق مصر» في الشعر السوداني ويذكرون العباسي في هذا السياق على نحو خاص.

من مصر إلى الرؤية

الجمال الذي يقيد الناظر

تتابع الأبيات المتداولة للقصيدة فتقول: «وبقيتُ مأخوذًا وقيّدَ ناظري / هذا الجمالُ تلفتًا وتحيرا». وهذا بيت شديد الأهمية؛ لأنه يترجم أثر مصر والوادي والجمال الخارجي إلى حالة بصرية نفسية دقيقة. الشاعر ليس مجرد معجب، بل مأخوذ، أسير جمالٍ قيد بصره وجعله يلتفت ويتحير. وهنا نرى العباسي في أصفى لحظات الوصف الوجداني: فهو لا يعدد تفاصيل الجمال فقط، بل يصف أثره في العين.

وهذا البيت يكشف عن أمر مهم: أن الجمال في القصيدة ليس موضوعًا، بل قوة فاعلة. هو الذي يأخذ، ويقيّد، ويجعل الالتفات ضرورة، ويورث الحيرة. والالتفات هنا ليس مجرد حركة رأس، بل إشارة إلى أن الجمال من الكثرة والاتساع بحيث لا يستقر له النظر على موضع واحد. وهذا من أجمل صور الدهشة في الشعر؛ لأن الشاعر لا يدعي الإحاطة، بل يعترف بأن الجمال قد فاض على الطاقة.

كما أن الحيرة في هذا البيت ليست نقصًا في الفهم، بل أثر من آثار الامتلاء بالجمال. إنه نوع من التيه الجميل، أو من الذهول الذي يصيب النفس حين ترى ما يفوق توقعها. وهذا المعنى يجعل القصيدة أكثر من نص مديح لمصر أو للطبيعة؛ إنها نص في الانبهار نفسه، في كيفية وقوع النفس تحت سلطان الجمال حين يأتيها بعد طول حرمان أو انتظار.

القصيدة ونبرة الوفاء

حضور الصديق والنصيحة

أحد المصادر التي استعرضت القصيدة أشار إلى مقطع فيها يخاطب فيه العباسي صديقًا عزيزًا بقوله: «يا من رعيت وداده وحسبته / درعًا إذا جار الزمان ومغفرا»، ثم يتبع ذلك بنبرة نصح مشفق. وهذا مهم جدًا؛ لأنه يدل على أن «ذكريات» لا تقتصر على حنين المكان فقط، بل تتسع إلى الوفاء الإنساني وإلى استحضار الصداقة بوصفها جزءًا من الذكرى الجميلة. فالمكان في القصيدة لا يعيش مفصولًا عن الوجوه والعلاقات، بل يدخل ضمن عالم أوسع من الصفاء الروحي والأخلاقي.

وهذا المعنى يضيف بعدًا آخر للنص. فالذكريات لا تكون غالبًا جميلة بسبب المكان وحده، بل بسبب من اقترن بهم المكان في الذاكرة. وإذا كان العباسي ينتقل في القصيدة إلى النصح والوفاء، فهذا يعني أن التجربة التي يستعيدها ليست تجربة انبهار بصري وحده، بل تجربة عِشرة ووداد وخلق. ومن هنا تصبح القصيدة نصًا عن المكان بوصفه حاضنة للقيم والعلاقات، لا مجرد موضوع تصوير.

كما أن هذا البعد الأخلاقي ينسجم مع شخصية العباسي بوصفه شاعرًا إحيائيًا ذا نزعة قيمية واضحة. فهو لا يقف عند الجمال، بل يربطه بالوفاء والنصح، وبالكرامة، وبما يجعل الذكرى أرفع من مجرد اللذة العابرة. وهذه نقطة مهمة جدًا في تقييم القصيدة؛ لأنها تبين أن الحنين عنده أخلاقي بقدر ما هو جمالي.

اللغة والإيقاع

كلاسيكية حيّة لا محاكاة جامدة

لغة «ذكريات» تقدم مثالًا جميلًا على أسلوب العباسي الذي تصفه الدراسات الحديثة بأنه قوي وواضح وجزِل، ومنتمٍ إلى البنية التقليدية في الشعر السوداني الحديث مع محافظة على فخامة التعبير. وتؤكد دراسة حديثة عن البنية التقليدية في شعره أن مطالع قصائده، ومنها ذكريات، تكشف حسن الصياغة وجمال الافتتاح وقوة العبارة. وهذا ظاهر فعلًا في المطلع وفي البيت الخاص بمصر، حيث نجد الإيقاع الواثق واللغة المضيئة والتراكيب التي تمسك بالوجدان دون أن تهبط بالأسلوب.

والجميل في هذه اللغة أنها لا تبدو أثرية أو متحفية، على الرغم من كلاسيكيتها. فهي تتحرك بحرارة شعورية واضحة، وهذا ما ينقذها من الجمود. العباسي يستخدم معجمًا عاليًا: الزمان، المنى، الوادي، مصر، الشمس، النور، الوجود، لكنه يشحنه بانفعال حقيقي، فلا يصبح الكلام استعراضًا بل تجربة منغّمة. وهذه ميزة الشاعر الكبير في مدرسة الإحياء: أن يعيد اللغة التراثية إلى الحياة بدل أن يكررها في صورة باردة.

أما الإيقاع، فمن الواضح من الأبيات المتداولة أنه إيقاع متماسك ذو نبرة احتفالية موقرة، يلائم قصيدة تقوم على الامتنان والحنين والانبهار. وليس في النص اضطراب أو تكلف ظاهر، بل انسجام بين العاطفة وبين الوزن، بحيث يبدو الشاعر كأنه ينشد من داخل امتلائه لا من خارج التجربة. ولهذا تبقى القصيدة قابلة للإنشاد والحفظ، وقادرة في الوقت نفسه على حمل معنى رفيع.

قيمة القصيدة في شعر العباسي

تكتسب «ذكريات» مكانة خاصة في شعر محمد سعيد العباسي لأنها تجمع عددًا من أبرز سماته في نص واحد: النضج الشعوري، والجزالة، والانفتاح العربي، والحنين إلى المكان، والوفاء للقيم. وهي أيضًا قصيدة تكشف عن صورة مصر في وجدانه، وعن قدرته على أن يجعل الزيارة أو الذكرى تجربة شعرية كاملة لا مجرد تسجيل انطباعي. ولعل هذا هو سبب حضورها في المواد التي تتحدث عن حب مصر في الشعر السوداني، كما في الدراسات التي تناولت مطالع قصائده.

وفوق ذلك، فإن القصيدة مهمة لأنها تظهر العباسي في لحظة ليست رثائية ولا تعليمية ولا وصفية خالصة، بل لحظة تمزج هذه العناصر بميزان دقيق. في النص شيء من الشكر، وشيء من الوصف، وشيء من المديح، وشيء من الوفاء، وشيء من الحنين، لكن لا شيء منها يطغى حتى يبتلع القصيدة. وهذا التوازن دليل نضج شعري حقيقي، ويؤكد أن العباسي لم يكن شاعرًا قوي العبارة فحسب، بل شاعرًا يعرف كيف ينسج من انفعالات متعددة نسيجًا واحدًا متماسكًا.

يمكنك قراءة المقال الكامل عن الشاعر هنا:
محمد سعيد العباسي: شاعر الأصالة والوجدان في الأدب السوداني

خاتمة

الذكرى هنا ليست رجوعًا إلى الوراء فقط

في النهاية، لا تبدو «ذكريات» قصيدة تلتفت إلى الماضي لتبكيه فحسب، بل قصيدة تستعيد الماضي لكي تصالح الحاضر. يبدأ الشاعر من الزمان الذي عاد معتذرًا، ويمر بالمنى التي تحققت، ثم يصل إلى الوادي ومصر والجمال الذي قيد ناظره، وكأنه يقول إن الذكرى الجميلة ليست عبئًا على النفس دائمًا، بل قد تكون برهانًا على أن الحياة ما تزال قادرة على أن تهب الصفاء بعد طول جفاء.

ولهذا تستحق القصيدة مكانتها في ديوان محمد سعيد العباسي. فهي نصٌّ عن الامتنان، والوفاء، والجمال، والحنين الحضاري، وتكشف عن شاعر سوداني كبير يرى في مصر والوادي والذكرى لا مجرد أمكنة وأحداث، بل أفقًا من الصفاء العربي المشترك. ومن هنا تبقى «ذكريات» قصيدة محبوبة، لأنها تقول بلغة جزلة وعاطفة صافية إن الماضي لا يعود دائمًا ليؤلم، بل قد يعود أحيانًا ليعلّم القلب كيف يشكر.

قصائد أخرى لمحمد سعيد العباسي

      اترك تعليقاً

      لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *