قصيدة يوم التعليم
محتوى المقال
الشعر بوصفه خطابًا للنهضة والمعرفة
القصيدة التي جعلت التعليم مشروع نهضة لا مناسبة خطابية
تُعد قصيدة «يوم التعليم» من القصائد البارزة في شعر محمد سعيد العباسي، وتظهر في المصادر المتداولة ضمن أشهر نصوصه، كما يرد نصها في موقع أدبي بصدر بيتها الأول، وتستشهد بها مادة تعريفية عن الشاعر بوصفها مثالًا على اهتمامه الواضح بالعلم والتربية. وتصف المصادر الحديثة العباسي بأنه من كبار شعراء السودان، ومن شعراء الإحياء الذين جمعوا بين جزالة السبك والموضوعات الحديثة المتصلة بتجربتهم الروحية والوطنية، وهو ما يجعل «يوم التعليم» نصًا مناسبًا جدًا لفهم هذه السمة في شعره: لغة تراثية مشدودة، لكنّها تحمل قضية معاصرة وحيوية هي قضية العلم وبناء المجتمع.
وتنبع أهمية هذه القصيدة من أنها لا تتعامل مع التعليم بوصفه أمرًا إداريًا أو مطلبًا منفعيًا ضيقًا، بل بوصفه منبعًا للسعادة، وشرطًا للنهوض، ووسيلة لتحرير الإنسان والمجتمع. والعباسي لا يكتفي في النص بمدح العلم أو الثناء على المعلمين، بل يضع تصورًا متكاملًا لماهية التعليم الذي يستحق أن يُحتفى به: تعليم يقترن بالأخلاق، ويتجاوز حدود الحفظ إلى بناء الشخصية، ويرتبط في النهاية بمصير الشعوب لا بمصير الأفراد وحدهم. وهذا واضح في الأبيات المتداولة التي تجعل العلم “ينبوع السعادة” وتربطه بفكّ “الأغلال والأطواق”، ثم تؤكد أن الأخلاق تسبق العلم وتؤسس له.
ومن هنا فإن «يوم التعليم» ليست قصيدة مناسبات بالمعنى العابر، على الرغم من أنّ عنوانها يوحي بذلك أول وهلة. إنها قصيدة رؤية أكثر من كونها قصيدة احتفال. ففيها خطاب تربوي، ونبرة إصلاحية، ووعي اجتماعي، ولمحة قومية واضحة، بل وفيها أيضًا قلق من واقع السودان وتشرذمه وضعف أحواله، كما تكشف الأبيات المتداولة التي تشير إلى الجهل والفقر والتحزّب، ثم تضع التعليم والعلم في المقابل بوصفهما طريق الخلاص. ولهذا تظل القصيدة حية إلى اليوم، لأنها لا تمدح قيمة منقضية، بل تخاطب سؤالًا ما يزال مطروحًا: كيف تُبنى الأمم؟
يمكنك أيضًا قراءة النص الكامل لهذه القصيدة هنا:
نص قصيدة يوم التعليم – محمد سعيد العباسي
محمد سعيد العباسي
شاعر الإحياء الذي حمل همّ الحاضر
لفهم هذه القصيدة لا بد من النظر إلى موقع العباسي في تاريخ الأدب السوداني والعربي. فالمراجع الحديثة تصفه بأنه شاعر سوداني بارز، نشأ في بيئة دينية ولغوية قوية، وحفظ القرآن ودرس العربية، ثم اتصل بمصر في تعليمه، وعاد بعد ذلك إلى السودان، وبقيت تجربته الشعرية مزيجًا من الأصالة والمعاصرة. وتؤكد المادة التعريفية عنه أن شعره ظل موزونًا مقفى، قوي السبك، مستمدّ الصور من بيئة الشعر القديم، لكنه خاض في الوقت نفسه موضوعات عصره، ولا سيما ما يتصل بالسودان وقضاياه وتجربته الروحية والوطنية. كما تعدّه هذه المادة رائدًا لنهضة الشعر في السودان، وعلى رأس حركة الإحياء والبعث فيه.
وهذه الخلفية مهمة جدًا لأن «يوم التعليم» تكشف هذه الملامح كلها في نص واحد تقريبًا. فالقصيدة من جهة مبنية بلغة إحيائية تقليدية واضحة، ذات نَفَس خطابي رفيع. ومن جهة أخرى تتناول قضية حديثة جدًا في بنيتها الاجتماعية والسياسية: التعليم العام، وتكوين النشء، وعلاقة العلم بالأخلاق، وأثر المعرفة في نهضة الشعوب. وبهذا المعنى فإن النص يمثل العباسي خير تمثيل، لأنه يبرهن على أن شاعر الإحياء لا يظل أسير المدائح القديمة أو الموضوعات الموروثة، بل يمكنه أن يجعل من قضية مدنية حديثة موضوعًا لشعر فخم وحيّ في الوقت نفسه.
كما تكشف القصيدة عن جانب آخر من شخصية العباسي، وهو الإيمان العميق بأن الشعر يمكن أن يؤدي وظيفة اجتماعية وتربوية. فهو لا يكتب هنا ليتغنى بالذات أو ليستعيد ذكرى شخصية كما في بعض قصائده الوجدانية، بل يكتب لكي يحثّ، ويوقظ، ويقنع، ويحضّ على الإنفاق، ويضع أمام القارئ تصورًا واضحًا لما ينبغي أن تكون عليه النهضة. وهذا ينسجم مع الصورة التي ترسمها عنه المراجع حين تشير إلى ارتباط شعره بقضايا الوطن العربي والإسلامي، وإلى صفاء علاقاته الإنسانية، وإلى نزوعه إلى التجديد في الموضوع مع بقاء البناء الكلاسيكي.
يمكنك قراءة المقال الكامل عن الشاعر هنا:
محمد سعيد العباسي: شاعر الأصالة والوجدان في الأدب السوداني
عنوان القصيدة
“يوم التعليم” بين المناسبة والرؤية
عنوان القصيدة في ذاته يبدو لأول وهلة عنوانًا مناسباتيًا مباشرًا: يوم التعليم. وهذا قد يغرّ القارئ فيظن أنه أمام قصيدة احتفالية مؤقتة، قيلت ليوم محدد ثم انطفأ معناها بانطفاء المناسبة. لكن النص، من خلال الأبيات المتداولة، يكذّب هذا الظن منذ بدايته. فالشاعر لا يقف عند وصف اليوم ولا عند الثناء البروتوكولي على التعليم، بل يجعل “اليوم” مجرد مدخل إلى قضية أوسع بكثير: قضية بناء الإنسان والأمة بالعلم والخلق. وهذا التحول من “المناسبة” إلى “الرؤية” هو أول ما يمنح القصيدة قيمتها.
فلو أراد العباسي أن يكتب قصيدة مناسبات تقليدية لاكتفى بالثناء، والتهنئة، ووصف المشهد، وربما مدح القائمين على التعليم أو الاحتفال. لكنه بدلًا من ذلك يفتتح بنبرة ذاتية مدهشة: يتحدث عن سنّه، وعن حمله الأوراق والأقلام، ثم ينتقل إلى الشعر، فإلى الدعوة إلى الإنفاق على العلم، فإلى الحديث عن العلم نفسه، ثم عن النشء، ثم عن الشعوب، ثم عن السودان وأزماته. وهذا الاتساع في البنية يثبت أن “اليوم” في العنوان ليس سوى رمز للفرصة أو لحظة الوعي التي يجب أن تتجاوز نفسها إلى برنامج إصلاحي كامل.
ومن ثم يمكن القول إن العباسي استخدم العنوان استخدامًا ذكيًا. فهو عنوان مناسب للحظة الاحتفالية، لكنه لا يحصر القصيدة في تلك اللحظة. بل يجعلها قابلة لأن تُقرأ بعد عقود طويلة بوصفها نصًا عن معنى التعليم في ذاته. ولذلك ما زالت بعض أبياتها تُستعاد حتى اليوم في الكتابات العامة عن التعليم والأخلاق والنهضة، ولا تُقرأ بوصفها أثرًا تاريخيًا فقط، بل بوصفها خطابًا حيًا.
المطلع
شيخ كبير يحبو بالأوراق والأقلام
يبدأ النص بقوله: «أحبو إلى الخمس والستين من عمري / حبوا وأحمل أوراقا وأقلاما»، وهو مطلع بالغ الجمال والصدق. فالشاعر لا يفتتح بالموضوع مباشرة، بل يقدّم نفسه أولًا في هيئة رجل جاوز الخامسة والستين، ما يزال يحبو بالأوراق والأقلام، أي ما يزال متعلقًا بالعلم والكتابة تعلق الطفل الأول بحركته، أو تعلق الشيخ الذي لم تخمد جذوة الطلب فيه. هذا المطلع لا يهيئ لمجرد نص تعليمي، بل يبني سلطة الشاعر الأخلاقية والفكرية: ها هو رجل خبر العمر، وما يزال يجد في الورق والقلم معنى وجوديًا يستحق أن يبدأ به كلامه.
وفي هذا المطلع أيضًا مفارقة لطيفة ومؤثرة. ففعل الحبو يُستعمل عادة للطفل الصغير في بدايات الحركة، لكنه هنا يُسند إلى شيخ متقدم في السن. وهذه المفارقة تجعل من العلم بداية دائمة، لا شيئًا ينتهي مع النضج أو الكهولة. وكأن الشاعر يقول إن العلاقة بالقلم لا تجعل الإنسان يهرم، بل تعيده دائمًا إلى أول الطريق، إلى فضول التعلم، وإلى تواضع الباحث، وإلى صلة النفس بما ينفعها ويقيمها. ومن هنا فإن المطلع يهيئ القارئ لقصيدة ترى في التعليم طاقة تجدد لا مجرد مؤسسة أو مهنة.
كما أن هذا المطلع يمنح النص بُعدًا شخصيًا محببًا. فالعباسي لا يتحدث من برج الواعظ المجرد، بل من تجربة ذاتية. إنه هو نفسه ما يزال يحمل الأقلام والأوراق، وما يزال منحازًا إلى المعرفة حتى في هذا العمر. وهذه المصداقية تمنح القصيدة حرارة خاصة؛ لأن من يدعو إلى التعليم هنا ليس بيروقراطيًا ولا خطيبًا بعيدًا، بل شاعر عاش مع العلم واللغة والكتب، ويريد أن يورّث هذا الإيمان لجيله ومجتمعه.
الشعر في خدمة الفكرة
لماذا يبدأ بذكر النواسي وإسحاق؟
بعد المطلع يقول: «غيري شدا فتعالوا اليوم فاستمعوا / شعر النواسي من تلحين إسحاقا». وهذه الإحالة الثقافية جميلة جدًا؛ لأنها تربط التعليم والفكر منذ البداية بالأدب والفن والذائقة. فالشاعر لا يفصل التربية عن الشعر، ولا يجعل العلم مادّة جافة، بل يقدمه في سياق أدبي موسيقي راقٍ. والمراد من هذا فيما يبدو ليس مجرد التباهي بالمعرفة التراثية، بل الإيحاء بأن الحياة العقلية الرفيعة لا تنفصل عن حسن التذوق وحب الأدب.
كما أن هذه الإشارة تكشف عن طبيعة القصيدة نفسها: هي ليست خطابًا مدرسيًا صارمًا، بل خطاب شاعر. ومن ثم لا عجب أن يبدأ من الشعر، وأن يصف شعره بعد ذلك بأنه “الأدب العالي”، وأن يشبهه بالدر عقدًا وبالخيري أطباقًا. فالعباسي لا يقدم التعليم في صورة أمر تقني فقط، بل يربطه بما يرقق الشمائل ويهذب الروح ويرفع الإنسان إلى “العلياء”. وهذا يعني أن التعليم عنده لا يقتصر على نقل المعارف، بل يشمل تكوين الحس والخلق والذوق.
وهذه نقطة مركزية في النص كله. فالشاعر لا يتحدث عن التعليم بوصفه بابًا لسوق العمل فقط، بل بوصفه صناعة إنسان كامل، أو محاولة لرفع النفس إلى مستوى يليق بها. ومن هنا نفهم لماذا كان مطلع القصيدة أدبيًا غنائيًا قبل أن يصير اجتماعيًا إصلاحيًا؛ لأن المعرفة التي يدعو إليها العباسي ليست معرفة مادية باردة، بل معرفة متصلة بالأدب والحس الإنساني الرفيع.
الدعوة إلى الإنفاق
العلم لا يقوم بالكلام وحده
في الأبيات التالية يوجّه العباسي دعوة واضحة إلى الإنفاق على التعليم، فيقول ما معناه: فليشغل الخير والتوفيق من شغله المال والجاه إدرارًا وإنفاقًا، وجاد للعلم جود الأكرمين. ثم يصرّح: «فأقرضوا الله مما قد أفاء لكم / يُجزل ثوابًا ويكسو العود إيراقا». وهذه الأبيات تكشف أن الشاعر لا يقف عند المبدأ العام، بل يذهب مباشرة إلى وسائل تحقيقه. فهو يعلم أن العلم لا ينهض بالمواعظ وحدها، بل يحتاج إلى مال، وإلى مؤسسات، وإلى من يوجّه ثروته وجهة نافعة.
واللافت أن العباسي يصوغ هذه الدعوة بلغة دينية وأخلاقية في آن. فهو لا يقول فقط: أنفقوا على التعليم لأنه مفيد، بل يربط ذلك بفكرة الإقراض لله والثواب والإثمار. وبهذا يجعل دعم التعليم نوعًا من العبادة الاجتماعية، أو الصدقة الجارية التي لا تقف عند حدود البر الفردي، بل تدخل في بناء المجتمع كله. وهذه الصياغة ذكية جدًا؛ لأنها تخاطب وجدان جمهور واسع، وتربط بين المصلحة العامة والإيمان الأخلاقي، فتجعل من تمويل التعليم عملًا صالحًا لا مجرد قرار نفعي.
ومن هنا نرى أن العباسي يكتب بروح المصلح، لا بروح الحالم المجرد. إنه يعرف أن التعليم يحتاج إلى عاطفة، لكنه يحتاج أيضًا إلى بذل ملموس. وهذه النظرة العملية تضيف إلى القصيدة قوة كبيرة؛ لأنها تجعلها برنامجًا صغيرًا مكتمل العناصر: تقدير للعلم، وربط له بالأخلاق، ثم دعوة إلى تمويله ودعمه. وبذلك يرتفع النص من مجرد الثناء إلى مستوى الاقتراح الاجتماعي.
العلم عند العباسي
ينبوع سعادة وفكٌّ للأغلال
من أشهر أبيات القصيدة، وربما أكثرها تداولًا، قوله: «العلم يا قوم ينبوع السعادة كم / هدى وكم فك أغلالًا وأطواقا». وهذا البيت وحده يختصر جانبًا كبيرًا من رؤية العباسي. فهو لا يرى العلم زينة ثقافية ولا وسيلة رفاهية، بل يراه ينبوع السعادة. والسعادة هنا ليست حالة نفسية ضيقة، بل حالة مجتمع يتحرر من الجهل والقيود. ولذلك يضيف مباشرة أن العلم فكّ أغلالًا وأطواقًا. وهذه صورة قوية جدًا، لأنها تجعل الجهل قيدًا، والعلم تحريرًا.
وفي هذا المعنى يبدو العباسي شديد الحداثة. فهو لا يمدح العلم لأنه يورث صاحبه مكانة فردية أو مهابة اجتماعية فحسب، بل لأنه يهدي ويحرر. أي أنه يغيّر وضع الإنسان في العالم. وهذه رؤية واسعة للمعرفة: المعرفة قوة هداية، وقوة تفكيك للقيود، وقوة دفع إلى السعادة. ومن هنا فإن القصيدة لا تنتمي إلى المديح المدرسي للعلم، بل إلى خطاب نهضوي حقيقي يرى في التعليم أداة لإنقاذ الإنسان من الجهل والتبعية والقصور.
كما أن اختيار العباسي لصورة الأغلال والأطواق يمنح البيت طاقة درامية واضحة. فالمجتمع غير المتعلم يبدو كالمقيد، لا يملك الحركة الحرة، ولا يملك اختيار طريقه. والعلم يأتي ليفك هذا القيد. وهذه الصورة البسيطة والمكثفة تفسر لماذا ظل البيت قابلًا للتداول والاقتباس: لأنه يقول الفكرة النهضوية الكبرى في صيغة شعرية مشرقة وقوية في الوقت نفسه.
الأخلاق قبل العلم
الفكرة المحورية في القصيدة
إذا كان ثمة بيت يجب أن يُعدّ قلب القصيدة الحقيقي فهو قول العباسي: «فعلموا النشء علمًا يستبين به / سبل الحياة، وقبل العلم أخلاقا». وقد نقلته المادة التعريفية عن الشاعر أيضًا بوصفه شاهدًا على رؤيته. وهذا البيت هو نقطة التوازن الكبرى في النص كله. فالشاعر، بعد أن رفع قيمة العلم إلى أقصى حد، يعود ليضع له شرطه الأساسي: الأخلاق. أي أن المعرفة، مهما كانت مشرقة ونافعة، لا تستقيم في نظره إذا لم تسبقها أو تواكبها تربية أخلاقية سليمة.
وهذه الفكرة شديدة الأهمية؛ لأنها تمنع القصيدة من الوقوع في تمجيد تقني أو أداتي للعلم. فالعباسي لا يدعو إلى تعليم يُنتج مجرد المهارة أو المنفعة المادية، بل إلى تعليم يستبين به النشء سبل الحياة. وسبل الحياة هنا أوسع من المهارات المدرسية، لأنها تشمل النظر إلى العالم، والقدرة على التمييز، وفهم الغاية، وتحمل المسؤولية. ومن هنا تصبح الأخلاق ليست مادة جانبية، بل الأساس الذي يمنح العلم اتجاهه الإنساني الصحيح.
ولعل هذا هو السبب في أن البيت ما زال يُستعاد في المقالات والخطب إلى اليوم. فهو يعبّر عن قلق دائم في المجتمعات الحديثة: ما قيمة المعرفة إن لم تصحبها أخلاق؟ والعباسي يجيب بوضوح: العلم ضروري، لكن قبله الأخلاق. وهذه ليست دعوة إلى تفضيل الجهل المتدين على المعرفة، بل دعوة إلى تربية متكاملة لا تفصل بين تكوين العقل وتكوين الضمير. وهذا عمق كبير في قصيدة قد يُظن من عنوانها أنها مجرد نشيد احتفالي.
الشعوب والعلم
من الفرد إلى الأمة
بعد الحديث عن النشء ينتقل العباسي إلى مستوى أوسع بكثير، فيقول: «إن الشعوب بنور العلم مؤتلقا / سارت، وتحت لواء العلم خفاقا». هنا تخرج القصيدة من المجال التربوي الضيق إلى المجال القومي والحضاري. فالعلم لا يعود وصفةً لصلاح الفرد فقط، بل شرطًا لحركة الشعوب كلها. وهي لا تسير فقط، بل تسير “مؤتلقة”، أي منيرة ومضيئة وممتلئة بالحياة. وهذه الصورة تبيّن أن العلم عند العباسي ليس مخزونًا في الكتب، بل نور حركة، وراية تقود الأمم.
وهذا الانتقال إلى مستوى الشعوب مهم جدًا، لأنه يجعل القصيدة نصًّا في النهضة العامة، لا في الوعظ المدرسي. فالشاعر لا يطالب بتعليم النشء لأن هذا حسن في ذاته فقط، بل لأن مصير الأمة يتوقف عليه. ومن ثم فإن العلاقة بين النشء والعلم والأخلاق ليست مسألة أسرية أو فردية، بل مسألة ترتبط بموقع السودان، وموقع الشعوب العربية والإسلامية، في التاريخ الحديث. وهذا ينسجم مع ما تقوله المادة التعريفية عن العباسي من أن شعره ارتبط بقضايا الوطن العربي والإسلامي.
كما أن صورة “لواء العلم” تمنح القصيدة نبرة حماسية رفيعة. العلم هنا ليس فقط مصباحًا داخليًا، بل راية جماعية يلتف حولها الناس. وهذا يربط بين المعرفة والوحدة، ويجعل التعليم مشروعًا وطنيًا لا فرديًا. ومن هنا تظهر قيمة القصيدة السياسية أيضًا، حتى من غير أن تدخل في شعارات مباشرة. إنها تقول ببساطة إن الشعوب لا تنهض إلا تحت لواء العلم.
صورة العالم المتقدم
الجو والبحر والحضارة
من الأبيات اللافتة أيضًا قوله، في الرواية المنشورة: «وطوفوا ببقاع الجو فامتلكوا / عصيها، وبقاع البحر أعماقا / … في الشرق والغرب تلقاهم وقد بسطوا / ظل الحضارة…». وهذه الأبيات تفتح القصيدة على العالم الحديث بكل وضوح. فالعباسي لا يكتفي بالمبادئ العامة، بل يلمح إلى السيطرة على الجو والبحر، أي إلى التقدم العلمي والتقني والحضاري الذي مكّن الأمم المتعلمة من امتلاك وسائل القوة والسيادة. وهذا يعني أن الشاعر ينظر إلى التعليم لا بوصفه ترفًا ثقافيًا، بل بوصفه شرطًا لدخول العصر.
وهذه نقطة لافتة جدًا لأن العباسي، وهو شاعر إحيائي كلاسيكي البناء، يُظهر هنا وعيًا حديثًا بما يصنعه العلم في العالم. فالأمم التي تعلمت امتلكت الجو والبحر، وبسطت ظل الحضارة، وانتشرت شرقًا وغربًا. والقصيدة في هذا الموضع تقترب من لغة النهضة والإصلاح في القرن العشرين، حيث يكون التعليم مفتاحًا للاستقلال والقوة والتقدم المادي والحضاري. ومن ثم فإن النص لا يمدح العلم من جهة أخلاقية فقط، بل من جهة تاريخية واقعية أيضًا.
لكن العباسي لا ينخدع بهذا التقدم المادي وحده؛ إذ يعقبه بلمحة حذرة حين يشير إلى أن تلك الحضارة جميلة لو حوت أمنًا وعافية، لكنها حوت أيضًا “فتحًا وإحداقًا”. أي أنه واعٍ بأن الحضارة الحديثة تحمل معها القوة والمنافسة وربما الهيمنة. وهذا الوعي يضيف إلى القصيدة عمقًا كبيرًا؛ لأنه يثبت أن الشاعر لا يدعو إلى استيراد الحضارة بوصفها خيرًا مطلقًا، بل يريد أن يستفيد من نور العلم مع بقاء الحس الأخلاقي الذي سبق أن جعله أساسًا لكل تعليم.
السودان في القصيدة
ألم الواقع وضرورة العلاج
من أكثر المقاطع تأثيرًا في النص الأبيات التي تقول، في الرواية المنشورة، ما معناه: لو درى القوم في السودان أين هم من الشعوب لقضوا حزنًا وإشفاقًا، ثم يصف حال البلاد بــالجهل والفقر، ويضيف أن الأحزاب تعبث به حتى هدّت قوى الصبر. وهذه الأبيات تجعل القصيدة شديدة المحلية وشديدة الراهنية في وقت واحد. فبعد الحديث العام عن الشعوب والحضارة والجو والبحر، يعود العباسي إلى السودان بوصفه موضع الألم الحقيقي والرهان الفعلي.
وهذا الانتقال بالغ الأهمية، لأنه يمنع القصيدة من أن تبقى في منطقة التنظير العام. فالشاعر يعرف أن الحديث عن العلم لا قيمة له إن لم يواجه به واقع بلده. ولذلك يسمي الأشياء بأسمائها: جهل، فقر، تحزّب، اضطراب. وهذه ليست مفردات شعرية عائمة، بل لغة إصلاحية واضحة، تدل على أن العباسي يرى في التعليم جزءًا من العلاج الوطني. ومن هنا فإن القصيدة تحمل في جوفها قدرًا من النقد الاجتماعي والسياسي، حتى لو جاء في لغة شعرية مهذبة.
كما أن بيت «إن التحزب سمٌّ» يضيف بعدًا جديدًا للنص. فالشاعر لا يرى مشكلات السودان محصورة في نقص المعرفة المجرّد، بل يربطها أيضًا بالتفرّق الحزبي الضار، ويطلب من القوم أن يجعلوا لهذا السم ترياقًا. ومن هنا يبدو التعليم في القصيدة ليس معزولًا عن الوحدة الوطنية، بل وسيلة من وسائلها، أو على الأقل شرطًا من شروط تجاوز الصراع العقيم. وهذا يجعل النص أكثر كثافة وعمقًا من مجرد قصيدة في فضل العلم.
النبرة الخطابية
لماذا لا تبدو ثقيلة؟
من الواضح أن القصيدة ذات طابع خطابي وتعليمي، لكن هذا لا يفسدها، بل يكاد يكون مصدر قوتها. والسبب أن العباسي يوازن بين الخطاب المباشر وبين الصورة الشعرية والاعتراف الشخصي والنبرة الوجدانية. فهو لا يبدأ بالأوامر، بل يبدأ بنفسه، بسنّه، وبالقلم، وبالشعر، ثم ينتقل تدريجيًا إلى الخطاب العام. وهذا التدرج يمنع القصيدة من السقوط في جفاف الخطب.
كما أن النبرة الخطابية هنا مبررة بموضوعها. فالقصيدة لا تتحدث عن حب فردي أو تأمل غامض، بل عن قضية عامة تتطلب بطبيعتها مخاطبة الناس ونداءهم وتحريضهم. ومن هنا تأتي كثرة الأفعال الموجهة: تعالوا، أقرضوا، علموا، لا تعجزوا. وهذه الأفعال تمنح النص حيوية واندفاعًا، وتجعله أقرب إلى بيان إصلاحي موزون. لكنها، في الوقت نفسه، لا تفقده شعريته لأن العباسي يسندها إلى صور وإيقاعات ولغة رفيعة.
ومن ثم فإن الخطابية في القصيدة ليست ضعفًا، بل وظيفة فنية. إنها تجعل النص قادرًا على الخروج من ذات الشاعر إلى الجماعة، ومن الانفعال الخاص إلى الوعي العام. ولهذا يمكن القول إن العباسي نجح هنا في ما يفشل فيه كثير من شعر المناسبات: جعل الخطاب العام محمولًا على شعر حقيقي.
البحر والجرس
البسيط مناسبًا للحنين والإصلاح
أشارت مادة نقدية حديثة إلى أن «يوم التعليم» من القصائد التي جرت على بحر البسيط، وأن هذا البحر من أكثر البحور ملاءمة لرقة العباسي وعذوبة عبارته، بل ولقصائد الحنين والنسيب والتحسر على الماضي عنده. وتوضح المادة نفسها أن كثيرًا من قصائده الجياد، ومنها عهد جيرون ومليط ويوم التعليم، جاءت على هذا البحر، وأن للبسيط سعة وهدوءًا ورشاقة تفسّر تعلق العباسي به.
وهذا التحليل الموسيقي مفيد جدًا هنا، لأن «يوم التعليم» تجمع بالفعل بين الإصلاح والخطاب من جهة، وبين نبرة وجدانية رقيقة من جهة أخرى. والبسيط بحر يسمح بهذا التوازن: فيه حركة تكفي للخطاب، وفيه انسياب يكفي للوجدان. ولذلك لا تبدو الأبيات متشنجة أو وعظية صرفة، بل تمضي في نغمة واضحة لكنها غير قاسية. وهذه ميزة مهمة في قصيدة تريد أن تقنع وتحفّز من غير أن تصرخ.
كما أن اختيار البسيط ينسجم مع طبيعة العباسي العامة كما وُصفت في المادة النقدية: شاعر يغلب على شعره الغناء الوجداني، ورقة العبارة، والتعلق بالمكان، والحنين إلى الذكريات. وحتى في قصيدة تعليمية مثل هذه، تبقى هذه السمات حاضرة بدرجة ما، وهو ما يمنح النص عذوبته ويمنعه من الجفاف.
قيمة القصيدة في ديوان العباسي
تكتسب «يوم التعليم» مكانتها الخاصة في ديوان العباسي لأنها تمثّل نقطة التقاء نادرة بين القصيدة التعليمية والقصيدة الجمالية. فهي لا تفقد شرف القضية التي تتناولها، ولا تتخلى في الوقت نفسه عن الشعرية. وفيها نرى العباسي الإصلاحي، والعباسي الإحيائي، والعباسي المؤمن بأن الأخلاق والعلم معًا هما طريق المجتمع إلى العافية. ولهذا كانت المادة التعريفية عنه تختار بيتها الأشهر لتدل به على توجهه الفكري والفني معًا.
كما أن القصيدة تظل مهمة لأنها تكشف عن تصور مبكر ومتماسك للتعليم ما يزال قابلًا للحياة: التعليم ليس حفظًا فقط، وليس معرفة مجردة، وليس تقدمًا تقنيًا أعمى، بل هو أخلاق + علم + إنفاق + نهضة + وحدة. وهذه المعادلة نادرة الصفاء. ومن هنا لا تبدو القصيدة مجرد أثر من زمن مضى، بل نصًا يمكن قراءته اليوم بوصفه مساهمة جادة في التفكير العربي في التعليم.
خاتمة
يوم التعليم بوصفه يومًا للنهضة كلها
في النهاية، لا تبدو قصيدة «يوم التعليم» قصيدة في التعليم وحده، بل قصيدة في المجتمع الذي يريد أن يولد من جديد. تبدأ من شيخ يحمل الأقلام في الخامسة والستين، وتمر بالشعر والأدب والإنفاق والعلم والأخلاق، ثم تفتح باب الشعوب والحضارة، ثم تعود إلى السودان بألمه وواقعه، لتقول في المحصلة إن النهضة لا تقوم بلا تعليم، ولا تعليم بلا أخلاق، ولا جدوى من العلم إذا بقي المجتمع غارقًا في الجهل والفقر والانقسام.
ولهذا تستحق القصيدة مكانتها في شعر محمد سعيد العباسي. فهي نصٌّ يجمع بين حرارة الضمير، وجزالة العبارة، ووضوح الفكرة، وصدق الانتماء إلى قضايا الناس. وهي في الوقت نفسه تذكير بأن الشعر العربي، حتى في أكثر صِيَغه كلاسيكية، قادر على أن يحمل مشروعًا إصلاحيًا حيًا، وأن يقول بلغة الفن ما تقوله المقالات والخطب بل وربما أعمق. ومن هنا تبقى «يوم التعليم» قصيدة لا تحتفل بالمدرسة فقط، بل تحتفل بـإمكان الإنسان أن يخرج من القيد إلى النور.

