نص قصيدة مليط

قصيدة المكان والحنين في الشعر السوداني

مقدمة

تُعد قصيدة «مليط» من أشهر قصائد محمد سعيد العباسي، وتظهر في المصادر الشعرية المتداولة بعنوانها هذا مع مطلعها المعروف، وهو ما يثبت حضورها بوصفها قصيدة مكان بارزة في ديوانه. كما أن سيرة العباسي نفسها تشير إلى صلته ببوادي السودان، وأنه كان يتجول في بادية وادي مليط في دارفور، وهو ما يمنح القصيدة عمقًا مكانيًا وتجربةً معيشة لا مجرد وصفٍ متخيل.

وتنبع أهمية القصيدة من أنها لا تكتفي برسم منظر طبيعي جميل، بل تجعل من مليط موضعًا للأنس، وتخفيف الألم، وإيقاظ الحنين إلى الوطن والنيل والرفاق. ومن خلال الأبيات المتداولة يتضح أن الشاعر ينتقل فيها من تحية المكان والدعاء له بالغيث، إلى وصف الوادي والنخل والماء والطير، ثم إلى استرجاع ما في النفس من لوعة ووفاء وخيبة وذكرى.

يمكنك قراءة الدراسة الأدبية الكاملة لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة مليط – محمد سعيد العباسي

نص القصيدة

حيّاكِ «ملّيطُ» صوبُ العارضِ الغادي
وجاد واديكِ ذا الجنّاتِ من وادِ
فكم جلوتِ لنا من منظرٍ عَجَبٍ
يُشجي الخليَّ ويروي غُلّةَ الصادي
أنسَيْتِني بَرْحَ آلامي وما أخذتْ
منا المطايا بإيجافٍ وإيخاد
كثبانُكِ العفرُ ما أبهى مناظرَها
أُنسٌ لذي وحشةٍ، رِزقٌ لمرتاد
فباسقُ النخلِ ملءُ الطرفِ يلثم من
ذيلِ السحابِ بلا كدٍّ وإجهاد
كأنه ورمالاً حوله ارتفعتْ
أعلامُ جيشٍ بناها فوق أطواد
وأعينُ الماءِ تجري من جداولها
صوارماً عرضوها غيرَ أغماد
والوُرْقُ تهتف والأظلالُ وارفةٌ
والريحٌ تدفع ميّاداً لميّاد
لو استطعتُ لأهديتُ الخلودَ لها
لو كان شيءٌ على الدنيا لإخلاد
****
أنتِ «المطيرةُ»في ظلّ وفي شجرٍ
فقدتِ أصواتَ رهبانٍ وعُبّاد
أُعيذ حسنَكِ بالرحمن مُبدعِهِ
يا قُرّةَ العينِ من عَينٍ وحُسّاد
وضعتُ رحليَ منها بالكرامة في
دارِ ابنِ بَجْدتِها «نصرِ بنِ شدّاد
فاقتادتِ اللبَّ مني قَوْدَ ذي رسنٍ
ورقاءَ أهدتْ لنا لحناً بتَرداد
هاتي الحديثَ رعاكِ اللهُ مسعفةً
وأَسْعدي فكلانا ذو هوًى بادي
فحرّكتْ لهوى الأوطانِ أفئدةً
وأحرقتْ نِضوَ أحشاءٍ وأكباد
هوًى إلى النيل يُصبيني، وساكنُهُ
أُجلّه اليومَ عن حصرٍ وتَعداد
وحاجةٌ ما يُعنّيني تطلُّبُها
لولا زماني ولولا ضيقُ أصفادي
****
يا سعدُ «سعدُ بني وهبٍ»أرى ثمراً
فجُدْ فديتُكَ للعافي بعِنْقاد
وإنّ في بعض ما قد عافَ شاربُكم
إعتابَ ذي الفضلِ «يحيى» و«ابنِ عبّاد»
ورقاءُ إنّكِ قد أسْمعتِني حَسَناً
هيّا اسمعي فَضْلَ إنشائي وإنشادي
إنا نديمانِ في شَرْع النوى فخُذي
يا بنتَ ذي الطوقِ لحناً من بني الضاد
فربّما تجمع الآلامُ إنْ نزلتْ
ضدّين في الشكل والأخلاق والعاد
لا تُنكريني فحالي كلُّها كرمٌ
ولا يُريبكِ إتْهامي وإنجادي
وأنتَ يا عيدُ ليت اللهَ أبدلني
منكَ الغداةَ بعوّاد وأعواد
ما لي وللعيد والدنيا وبهجتِها
وقد مضى أمسِ أترابي وأندادي
****
أولئك الغرُّ إخواني ومن ذهبتْ
بهم مواسمُ أفراحي وأعيادي
مضَوْا، فهل علموا أني شقيتُ بمن
ألبستُه ثوبَ إعزازٍ وإسعاد؟
لم يُجْزِني، لاجزاه اللهُ، صالحةً
بِرّاً ببِرٍّ وإرفاداً بإرفاد
لقيتُه أمسِ في طِمْرين مقتحماً
دَوّاً بلا مركبٍ فيه ولا زاد
فظِلْتُ أُوسعه بِرّاً وتكرمةً
حتى غدا وَهْو ذو وشيٍ وأَبْراد
وحينما قلتُ إني قد ملأتُ يدي
إذ غرّني صوتُ إبراقٍ وإرعاد
تحوّل الحالُ عمّا كنتُ أسمع من
وعدِ المثوبةِ والزُّلفى لإيعاد
أبحتَ مني حِمىً قد كان ممتنعاً
حِمى البهاليلِ: آبائي وأجدادي
صيّرتَه بعد ذاك الأمنِ مَسْبعةً
تحمي مَرشّةَ أطيارٍ وآساد
إن ترضَ بالحكم فالقرآنُ ذو حَكَمٌ
وها أولو العلمِ والتاريخِ أَشْهادي
هادٍ يضلّ وحيرانٌ يُدلّ وما
طولُ البليّةِ إلا حيرةُ الهادي
****
أغرقتَها فانجُ إنْ كنتَ اللبيبَ ولا
أراكَ تسلم من بحرٍ وإزباد
واصبرْ تذقْ مُرَّ ما ذاق الذين بغَوْا
من قبلُ، واللهُ للباغي بمرصاد
لا تخدعَنَّكَ نُعْمْى قد حبَوْكَ بها
ولا الزعانفُ من رهطٍ وأجناد
فلستُ أيأسُ من عدل المليكِ بأنْ
يُخني عليهم كما أخنى على «عاد»
لثمتُ كفّاً ولا أدري الذي اشتملتْ
أصابعُ الصِّيدِ أم أشراكُ صَيّاد؟!
وليتَ شعريَ هل عَرْفَ السماحةِ ما
أشمُّ أم عَرْفَ «دارينا» و«بغداد»؟
مهامهٌ غرّني لمعُ السراب بها
ومذهبٌ لم أكن فيه بنَقّاد!
****
أستودع اللهَ ساداتٍ فقدتُهمُ
حدا بهم، حيث لا ألقاهُمُ الحادي
تحيّةُ اللهِ يا أيامَ ذي سَلَمٍ
أيامَ لم نخشَ بأسَ القاهرِ العادي
أيامَ كنا وكان الشملُ مجتمعاً
وحيُّنا حيُّ طُلاّب وقُصّاد
فإن جرى ذكرُ أربابِ السماحةِ أو
نادى الكرامُ فإنا بهجةُ النادي
لنا الكؤوسُ ونحن المنتشون بها
منّا السقاةُ ومنّا الصادحُ الشادي
واليومَ أبدتْ لنا الدنيا عجائبَها
بما نُقاسيه من حربٍ وأحقاد
وما رمى الدهرُ وادينا بداهيةٍ
مثل الأليمين: تفريقٍ وإبعاد
لم نجنِ ذنباً، ففيمَ الحيفُ مُقترَفاً؟
وما لنا اليومَ في سدٍّ وإيصاد
ما نحن «يأجوجَ» بل قومٌ ذوو أَرَبٍ
في الصالحات ولسنا قومَ إفساد
بني أبي أنتُمُ زيدٌ على مائةٍ
وما عدمتم أخا هديٍ وإرشاد
عزّ النصيرُ وقلَّ المستعانُ بهِ
ومَن يَهبّ إذا يُدعى لإنجاد
سِيروا كراماً على اسم اللهِ لا تهنوا
فدهرُكم دهرُ إصدارٍ وإيراد
فما الفلاحُ وما سعيُ الشعوبِ لهُ
لدى الحقيقةِ إلا سعيُ أفراد
إن يُرسلِ اللهُ من عليائه فَرَجاً
نُدرَكْ وإلا فكلٌّ رهنُ مِيعاد

مكانة القصيدة

احتلت «مليط» مكانة واضحة في شعر العباسي لأنها تمثل واحدًا من أجمل وجوهه الشعرية: الجزالة الكلاسيكية الممزوجة بعاطفة حيّة، والقدرة على تحويل المكان السوداني إلى تجربة وجدانية واسعة. كما تكشف القصيدة عن شاعر لا يصف الطبيعة لذاتها فقط، بل يجعلها مدخلًا إلى الذاكرة والحنين والحديث عن الوطن والناس والأيام الماضية.

نبذة عن الشاعر

محمد سعيد العباسي شاعر سوداني بارز، ولد سنة 1880 وتوفي سنة 1963، وتقدمه المراجع الحديثة بوصفه من كبار شعراء السودان ومن باعثي نهضة الشعر العربي الحديث فيه. كما تشير هذه المراجع إلى ثقافته العربية الواسعة وإلى ديوانه المعروف باسم ديوان العباسي، وهو ما يفسر رسوخ قصائد مثل مليط وعهد جيرون وذكريات في الذاكرة الأدبية السودانية والعربية.

يمكنك قراءة المقال الكامل عن الشاعر هنا:
محمد سعيد العباسي: شاعر الأصالة والوجدان في الأدب السوداني

خاتمة

تبقى «مليط» من القصائد التي أحبها القراء لأنها تجعل المكان أكثر من مشهد، وتحوّله إلى ملاذ نفسي وذاكرة حيّة. ولهذا ظلت من أبرز نصوص محمد سعيد العباسي، لا بوصفها قصيدة وصف فقط، بل بوصفها قصيدة في الجمال، والوطن، والرفاق، والحنين الذي يوقظه المكان حين يبلغ في القلب منزلة العهد القديم.

قصائد أخرى لمحمد سعيد العباسي

      اترك تعليقاً

      لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *