نص قصيدة عهد جيرون
محتوى المقال
قصيدة الحنين الحضاري في الشعر العربي
مقدمة
تُعد قصيدة «عهد جيرون» من أشهر قصائد محمد سعيد العباسي، وتظهر في المصادر الشعرية المتداولة بوصفها واحدة من النصوص التي تمثل الحنين الحضاري والوجداني في شعره. ويكشف عنوانها منذ البداية عن ارتباطها بفضاء جيرون ذي الصدى التاريخي المرتبط بدمشق القديمة والجامع الأموي، وهو ما يمنح القصيدة بعدًا يتجاوز الحنين الشخصي إلى استدعاء ذاكرة عربية أوسع.
وتنبع قوة القصيدة من أنها لا تستحضر مكانًا فحسب، بل تستحضر عهدًا كاملًا من الصفاء والجمال والذكرى. ولهذا تُقرأ عادة بوصفها قصيدة في الشوق إلى الماضي الجميل، وفي المفاضلة الضمنية بين حاضر مثقل بالهم وموضع قديم يظل قادرًا على إيقاظ القلب كلما ابتعد.
يمكنك أيضًا قراءة الدراسة الأدبية الكاملة لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة عهد جيرون – محمد سعيد العباسي
نص القصيدة
أرقت من طول هم بات يعرونى
يثير من لاعج الذكرى ويشجونى
منيت نفسى آمالا يماطلنى
بها زمانى من حين الى حين
ألقى بصبرى جسام الحادثات ولى
عزم أصد به ما قد يلاقينى
ولا أتوق لحال لا تلائمها
حالى، ولا منزل اللذات يلهينى
ولست أرضى من الدنيا وإن عظمت
إلا الذى بجميل الذكر يرضينى
وكيف أقبل أسباب الهوان ولى
آباء صدق من الغر الميامين
النازلين على حكم العلا أبداً
من زينوا الكون منهم أى تزيين
من كل أروع فى أكتاده لبد
كالليث والليث لا يغضى على هون
***
وقد سلا القلب عن سلمى وجارتها
وربما كنت أدعوه فيعصينى
ما عذر مثلى فى استسلامه لهوى
يا حالة النقص ما بى حاجة بينى
ما أنس لا أنس إذ جاءت تعاتبنى
فتانة اللحظ ذات الحاجب النون
يا بنت عشرين والأيام مقبلة
ماذا تريدين من موءود خمسين؟
قد كان لى قبل هذا اليوم فيك هوى
أطيعه، وحديث ذو أفانين
ولا منى فيك والاشجان زائدة
قوم وأحرى بهم ألا يلومونى
أزمان أمرح فى برد الشباب على
مسارح اللهو بين الخرد العين
والعود أخضر وألايام مشرقة
وحالة الأنس تغرى بى وتغرينى
فى ذمة الله محبوب كلفت به
كالريم جيدا وكالخيروز فى اللين
***
أفديه فاتر ألحاظ وتل له
أفديه حين سعى نحوى يفدينى
يقول لى وهو يحكى البرق مبتسما
يا أنت يا ذا وعمدا لا يسمينى
أنشأت أُسمعه الشكوى ويسمعنى
أدنيه من كبدى الحرى ويدنينى
أذر فى سمعه شيئا يلذ له
قد زانه فضل إبداعى وتحسينى
فبات طوع مرادى طول ليلته
من خمر دارين أسقيه ويسقينى
يا عهد جيرون كم لى فيك من شجن
باد سقاك الرضا يا عهد جيرون
ولا يزال النسيم الطلق يحمل لى
ريا الجناب ويرويه فيروينى
واليوم مذ جذبت عنى أعنتها
هذى الظباء وولت وجهها دونى
وعارض العارضين الشيب قلت له
أهلاً بمن رجحت فيه موازينى
كففت غرب التصابى والتفت الى
حلمى، ولم أك فى هذا بمغبون
وصرت لا أرتضى إلا العلا أبداً
ما قد لقيتُ من التبريح يكفينى
مكانة القصيدة
احتلت «عهد جيرون» مكانة واضحة في شعر العباسي لأنها تمثل أحد أجمل وجوهه: اللغة الإحيائية الجزلة الممزوجة بعاطفة حية. كما أنها تكشف عن اتساع أفقه العربي؛ فهو شاعر سوداني رائد في نهضة الشعر الحديث في السودان، لكن قصيدته هنا تنفتح على مكان عربي تاريخي ذي قيمة رمزية عالية، فتجعل من الذكرى الفردية جزءًا من الوجدان الثقافي العربي.
نبذة عن الشاعر
محمد سعيد العباسي شاعر سوداني وُلد سنة 1880 وتوفي سنة 1963، وتصفه المراجع الحديثة بأنه من كبار شعراء السودان ومن رواد الإحياء والبعث الشعري فيه. كما ارتبط اسمه بقصائد مشهورة مثل عهد جيرون ومليط وذكريات ويوم التعليم، وبشعر يجمع بين جزالة العربية القديمة والوجدان الحديث.
يمكنك قراءة المقال الكامل عن الشاعر هنا:
محمد سعيد العباسي: شاعر الأصالة والوجدان في الأدب السوداني
خاتمة
تبقى «عهد جيرون» من القصائد التي أحبها القراء لأنها تجعل المكان أكثر من جغرافيا، وتحوّل الذكرى إلى تجربة حيّة من الشوق والكرامة والصفاء. ولهذا ظلّت القصيدة من أبرز نصوص محمد سعيد العباسي، لا بوصفها حنينًا إلى موضع بعينه فقط، بل بوصفها حنينًا إلى عهدٍ كامل من الجمال والمعنى.
قصائد أخرى لمحمد سعيد العباسي
- نص قصيدة يوم التعليم
- نص قصيدة ذكريات
- نص قصيدة مليط

