محمد سعيد العباسي

محتوى المقال
الشاعر الذي حافظ على روح القصيدة العربية الكلاسيكية
شاعرٌ سودانيٌّ أعاد للقصيدة هيبتها الكلاسيكية
حين يُذكر الشعر السوداني الحديث في بدايات نهضته، يبرز اسم محمد سعيد العباسي بوصفه واحدًا من أكثر الأسماء رسوخًا وهيبةً في الذاكرة الأدبية، حتى إن عددًا من المراجع العربية يصفه بأنه من رواد نهضة الشعر الحديث في السودان، وأنه كان على رأس اتجاه الإحياء والبعث في بيئته الشعرية، مع احتفاظه بخصوصية سودانية واضحة في الصورة والوجدان والمكان. وتجمع المصادر الأساسية على أنه وُلد في منطقة النيل الأبيض في السودان في مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر، وتوفي سنة 1963، وأنه ارتبط اسمه بشعر يجمع بين الفروسية، والجزالة، والحنين، والوعي القومي، والوفاء الشديد للعمود العربي الموروث.
لكن قيمة العباسي لا تكمن فقط في كونه شاعرًا مجيدًا للقصيدة الكلاسيكية، بل في أنه كان أيضًا جسرًا بين بيئات متعددة: بين السودان ومصر، وبين البادية والمدينة، وبين الثقافة الدينية التراثية والتعليم الحديث، وبين الروح المحلية السودانية والانتماء العربي الأوسع. ولهذا لا يُقرأ بوصفه شاعر مناسبة أو مدائح عابرة، بل بوصفه شاعرًا محوريًا في تشكّل الذائقة الشعرية السودانية الحديثة، وشاعرًا استطاع أن يثبت أن القصيدة العربية العمودية ما تزال قادرة على حمل التجربة الحديثة من غير أن تفقد فخامتها القديمة.
نشأته ومولده
من النيل الأبيض إلى التكوين المبكر
تختلف بعض المصادر في تحديد مكان ميلاده على وجه الدقة داخل إقليم النيل الأبيض، لكنها تتفق على أنه وُلد سنة 1881م/1298هـ تقريبًا في بيئة سودانية ذات صلة بالعلم والدين، وأنه نشأ في أسرة ترتبط بالطريقة السمانية، وكان أبوه محمد شريف من أصحاب المكانة الدينية في محيطه. وتشير بعض التراجم إلى أن جده هو أحمد الطيب العباسي، وأن هذا الانتماء منح الطفل المبكر صلةً بالعالم الروحي والتعليمي منذ سنواته الأولى. كما تشير التراجم نفسها إلى أن حياته بدأت في فضاء جنوبي الخرطوم، قريب من الأنهار والبوادي معًا، وهو ما سيظهر لاحقًا في شعره على هيئة حنين شديد إلى المكان المفتوح وإلى الطبيعة السودانية الواسعة.
ومنذ صغره تلقى محمد سعيد العباسي تعليمًا دينيًا ولغويًا متينًا؛ فقد حفظ القرآن، ودرس العربية والعَروض على أيدي عدد من الشيوخ، وتذكر رواية شوقي ضيف أنه تلقى العلم على مشايخ مثل عيسى الدولابي، وإبراهيم الركابي، ومحمد بدوي، وأحمد العاقب الرطابي. وهذه التفاصيل، على ما يبدو فيها من طابع تقليدي، شديدة الأهمية لفهم شعره لاحقًا، لأن العباسي لم يدخل إلى القصيدة من باب الاندفاع الوجداني وحده، بل من باب الصنعة اللغوية المبكرة، ومن التمرس بأوزان الشعر العربي وطرائق بنائه، وهو ما يفسر قدرته اللاحقة على أن يكتب عمودًا قويًّا متماسكًا، من غير تكلف ظاهر ومن غير ضعف في الإيقاع أو السبك.
مصر والكلية الحربية
الانفتاح على أفق جديد
في سنة 1899 تقريبًا سافر محمد سعيد العباسي إلى مصر ليلتحق بالكلية الحربية، وبقي فيها نحو عامين قبل أن يتركها من غير إتمام التخرج. وتجمع عدة مراجع على هذه الواقعة، كما تشير إلى أن وجوده في مصر لم يكن أثره عسكريًا فحسب، بل أدبيًا أيضًا؛ إذ توثقت صلته هناك بأستاذ اللغة العربية الشيخ عثمان زناتي، الذي شجعه على نظم الشعر والتقدم فيه. وفي هذه المرحلة بدأت موهبته تتفتح بصورة أوضح، وصار الشعر عنده أكثر من ميل مبكر أو تمرين لغوي، بل طريقًا شخصيًا للتعبير وبناء الذات.
وهذه المرحلة المصرية مهمة لأنها أخرجته من أفقه المحلي المحدود إلى فضاء عربي أوسع. ففي مصر كان يمكنه أن يقترب من مناخ النهضة الأدبية، وأن يرى كيف كانت العربية الحديثة تعيد ترتيب علاقتها بالتراث وبالتعليم والمؤسسات. صحيح أن العباسي لم يصبح شاعرًا مصريًّا، ولم يذب في بيئة القاهرة، لكنه استفاد من هذه التجربة في توسيع أفقه الثقافي وتثبيت صلته بالعربية الفصحى في صورتها التعليمية الحديثة، قبل أن يعود إلى السودان وهو يحمل معه حسًّا أقوى بمكان الشعر ومكانته.
العودة إلى السودان
البادية مصدرًا للرؤية الشعرية
بعد مغادرته مصر عاد العباسي إلى السودان، لكن عودته لم تكن عودة إلى الاستقرار المدني الخالص، بل إلى البادية والفضاء المفتوح. وتذكر ترجمة شوقي ضيف أنه كان يكره طول الإقامة في المدن، فكان يركب ناقته ويجوب البوادي، ولا سيما في غرب السودان ومناطق مثل وادي مليط، وأن هذا الترحال ترك أثرًا عميقًا في شعره. وهذه الإشارة تتكرر في بعض الدراسات السودانية التي عدّت الطبيعة السودانية ومشاهد الصحراء والفرس والارتحال من أهم مصادر صوره الشعرية وإيقاعه النفسي.
ولهذا لا يمكن فهم العباسي من دون فهم أثر البادية فيه. فهو، على الرغم من انتمائه إلى زمن حديث نسبيًا، كان يحمل في شعره روحًا قريبة من الفروسية العربية القديمة، لا على سبيل التقليد المصنوع وحده، بل على سبيل المعايشة الوجدانية للمكان المفتوح، ولحياة الترحال، وللعلاقة الحميمة بالحيوان والطبيعة والمجال السوداني الرحب. وهذه الخصيصة هي التي جعلت شعره، في نظر عدد من النقاد، قريبًا من روح الإحياء والبعث، لكنه ليس إحياءً محفوظًا من الكتب فقط، بل إحياءً يغذيه اختبار حي للمكان.
العباسي بين السودان ومصر
شاعر الحدود المفتوحة
من السمات اللافتة في سيرة محمد سعيد العباسي أنه لم يكن شاعرًا محصورًا في إطار محلي ضيق، بل كان شاعرًا يتحرك بين السودان ومصر ثقافيًا ووجدانيًا. فإلى جانب تجربته التعليمية الأولى في مصر، تشير بعض التراجم إلى أن صلاته الثقافية بالعالم العربي الأوسع ظلت قوية، وأن ديوانه المطبوع صدر في القاهرة عن دار الفكر العربي سنة 1948، كما تشير سجلات المكتبات إلى ذلك بوضوح. وهذه المعلومة ليست شكلية، لأن نشر الديوان في القاهرة يعني أن العباسي لم يكن يُنظر إليه بوصفه شاعرًا سودانيًا محليًا فقط، بل بوصفه شاعرًا عربيًا يستحق أن يُقرأ في المركز الثقافي الأكبر في ذلك الزمن.
ومن هنا جاءت خصوصيته: فهو ابن السودان في صوره وأمكنته ولهجته الوجدانية، لكنه ابن العربية الكبرى في لغته وعموده ومرجعياته. ولهذا بدا شعره، عند كثير من القراء، وكأنه يحقق معادلة دقيقة: سوداني في التجربة، عربي في الأداة، كلاسيكي في البناء، حديث في الإحساس بالوطن والنهضة والقومية. وهذه السمة بالذات هي التي تفسر لماذا ظل العباسي اسمًا مهمًا في تاريخ الأدب السوداني والعربي معًا، لا في تاريخ السودان وحده.
مكانته في الشعر السوداني
باعث نهضة وإمام إحيائي
تصفه بعض المراجع العربية بأنه “باعث نهضة الشعر الحديث في السودان”، وتضعه على رأس حركة الإحياء والبعث في الشعر السوداني الحديث. ويشير هذا الوصف إلى أنه كان من أوائل من أعادوا للقصيدة العربية العمودية في السودان تماسكها الفني، وجلال لغتها، واتصالها بالتراث العربي الفخم، بعد مراحل من الضعف أو التشتت. كما تصفه بعض البحوث الجامعية بأنه رائد من رواد الشعر في الأدب السوداني، وهو توصيف مهم لأنه لا يمنحه مجرد مكانة محلية شرفية، بل يضعه في موقع المؤسس الذي أسهم في تشكيل الذائقة العامة نفسها.
ومع ذلك، فإن أهميته لا ترجع إلى الأسبقية الزمنية وحدها، بل إلى مستوى الشعر الذي كتبه. فالعباسي لم يكن “رائدًا” لأنه جاء مبكرًا فقط، بل لأنه جاء بشعر يمتلك الجزالة والامتداد والاقتدار العروضي والتصوير، وفي الوقت نفسه حافظ على حيوية التجربة ولم يسقط في المحاكاة الباردة. ومن هنا كان حضوره أشبه بحضور من يقول للشعر السوداني في طور التشكل: يمكن للقصيدة الحديثة في السودان أن تكون حديثة من دون أن تهجر العربية الكلاسيكية، وأن تكون وطنية من دون أن تفقد وقارها الفني.
ديوان العباسي
العمل الجامع لمشروعه الشعري
أهم أعمال محمد سعيد العباسي المطبوعة هو «ديوان العباسي»، وقد صدر في القاهرة سنة 1948، في نحو 204 صفحات بحسب سجل المكتبة الوطنية الإسرائيلية، مع الإشارة إلى أن بعض النسخ الرقمية المتاحة اليوم تعيد نشر طبعة 1948 نفسها. كما تذكر التراجم أن هذا الديوان قدّمه الأديب المصري محمد فريد أبو حديد، وهو أمر يدل على تقدير عربي واضح لمكانة العباسي الشعرية.
ولا ينبغي أن يُفهم الديوان بوصفه مجرد تجميع لنصوص متفرقة، بل بوصفه خلاصة مشروع شعري امتد عقودًا. ففيه تظهر ملامح العباسي الكبرى: شعر الفروسية والمكان، والحنين إلى البادية، والنبرة الوطنية، والقصائد ذات البعد القومي، والقصائد التي تمزج الحكمة بالتأمل والوصف. ولهذا فإن الديوان لا يكشف فقط عن شاعر موهوب، بل عن شاعر يعرف جيدًا ما يريد من العمود العربي: أن يظل أداة قادرة على حمل المعاني الكبرى من غير أن يتخلى عن فخامته الموروثة.
من قصائده
- عهد جيرون
- مليط
- رثاء أبي
- يوم التعليم
- سنّار بين القديم والحديث
- ذكريات
موضوعات شعره
الفروسية، الوطن، والقومية العربية
من يقرأ عن العباسي أو يقرأ في ديوانه يلاحظ سريعًا حضور ثلاثة محاور كبرى في شعره. أولها الفروسية والبداوة، وهي تتجلى في الصور المتصلة بالصحراء، والناقة، والرحلة، والفرس، والحنين إلى حياة الحركة والفضاء. وهذا المحور مرتبط مباشرةً بتجواله في بوادي السودان، كما تشير التراجم التي تربط بين خبرته في وادي مليط والبادية الغربية وبين شعره. وثانيها الوطن السوداني، حيث تظهر المدن والمواضع السودانية والطبيعة المحلية مادةً للشعر، حتى إن بعض الكتابات خصصت دراسات للمدن السودانية في شعره. وثالثها البعد القومي العربي، وهو ما تؤكده دراسة حديثة تناولت “آثار القومية العربية في شعر محمد سعيد العباسي”، وخلصت إلى أنه كان واعيًا بمفهوم القومية العربية وأسباب نشأتها ومآلاتها.
وهذا التعدد الموضوعي مهم لأنه يخرج العباسي من صورة الشاعر الإحيائي الضيقة. فهو صحيح شاعر عمود، وصحيح أنه ينهل من روح القدماء، لكن موضوعاته ليست محصورة في الفخر أو المديح فقط. بل نجد لديه إحساسًا وطنيًا سودانيًا واضحًا، وانشغالًا عربيًا عامًا، وتماسًا مع أسئلة النهضة والهوية. ومن هنا لا يبدو شعره تقليدًا لقصائد الفرسان القدامى فحسب، بل محاولة لتكييف هذه الروح مع زمن حديث نسبيًا، ومع مجتمع يعيش تحولاته السياسية والثقافية الخاصة.
أسلوبه الفني
العمود في أقصى فخامته السودانية
أسلوب العباسي يقوم، في جوهره، على الوفاء للقصيدة العمودية العربية: وزنًا، وقافية، وجزالة معجم، وامتدادًا نفسًا، وحضورًا للصورة ذات الطابع العربي القديم. لكن هذه السمات لا تعني أنه كان مقلدًا فقط؛ فالدراسات التي تناولت شعره لغويًا، ومنها دراسة عن “أسلوب الخبر في ديوان محمد سعيد العباسي”، تشير إلى أنه كان شاعرًا له بنية أسلوبية يمكن دراستها وتحليلها على نحو مستقل، وأن ديوانه يملك خصائص تعبيرية واضحة. كما أن حديث شوقي ضيف عنه يربط شعره بالبوادي السودانية وبأثرها العميق، ما يعني أن جزالته ليست أثر قراءة وحفظ وحسب، بل أثر بيئة حقيقية وجغرافيا متخيلة ومعاشة.
ولهذا يمكن وصف لغته بأنها فصيحة راسخة، قوية الإيقاع، ميالة إلى الفخر والوصف والتشبيب بالحياة البدوية، لكنها مع ذلك ليست لغة معزولة عن زمنها. ففي بعض قصائده تظهر نبرة الإصلاح، والتنبيه، والحزن على حال المجتمع، والنصح السياسي والاجتماعي، وهو ما تشير إليه بعض الكتابات السودانية الحديثة حين تستشهد بأبياته في نقد التحزب والجهل والفقر. وبذلك يجمع أسلوبه بين وقار العمود وحرارة القضية، من غير أن ينهار الوزن أو تضعف العبارة.
العباسي والإحياء
هل كان مجرد شاعر محافظ؟
من السهل أن يُصنَّف محمد سعيد العباسي ضمن المدرسة التقليدية المحدثة أو مدرسة الإحياء والبعث، وهذا تصنيف صحيح في الجملة، لأن بناءه الشعري ومرجعياته الجمالية يظلان أوفياء للتراث العربي القديم. لكن هذا التصنيف قد يصبح ناقصًا إذا أوحى بأنه مجرد شاعر “محافظ” بالمعنى السلبي. فالواقع أن قيمة العباسي تكمن في أنه لم يستخدم العمود ليعيد إنتاج الماضي على نحو جامد، بل استخدمه ليكتب السودان الحديث، والوجدان القومي، وتجربة المكان المحلي، والهم الاجتماعي والسياسي. ولهذا فإحيائيته لم تكن تكرارًا لقصائد القدماء، بل كانت استثمارًا واعيًا للتراث في بناء هوية شعرية سودانية وعربية حديثة.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا ظل شعره مهمًا رغم تغير الأذواق. فحتى القراء الذين قد لا يفضلون العمود التقليدي اليوم يجدون في تجربته شيئًا أعمق من الشكل: يجدون شاعرًا يعرف كيف يحوّل الوزن القديم إلى وعاء حقيقي لتجربة حية. وهذا ما يميّز الشاعر الكبير من الناظم الماهر؛ فالأول يجعل الشكل القديم قابلاً للحياة من جديد، بينما الثاني يكتفي بحسن استعماله. والعباسي، في هذا الميزان، أقرب إلى الفئة الأولى بوضوح.
حضوره العربي المحدود مقارنةً بقيمته
من الملاحظ أن بعض المراجع، ومنها ويكيبيديا العربية، تذكر أن العباسي يعد من كبار المحدثين، وتضعه في سياق أسماء كبيرة مثل شوقي والبارودي، لكنها تشير أيضًا إلى أنه لم ينل حظه الكامل من الترويج والانتشار في كثير من الأقطار العربية. وهذه الملاحظة دقيقة من جهة الواقع الثقافي؛ إذ إن أسماء كثيرة في المشرق العربي نالت من الذيوع ما لم ينله شعراء سودانيون كبار، لأسباب تتعلق بالمركز الثقافي والنشر والتلقي. ومع ذلك فإن هذا التفاوت في الشهرة لا ينقص من قدر العباسي الفني، بل ربما يكشف عن خلل في التوزيع الثقافي العربي أكثر مما يكشف عن خلل في الشعر نفسه.
ولهذا فإن العودة إلى العباسي اليوم ليست فقط استعادة لشاعر سوداني كبير، بل أيضًا تصحيح نسبي لخريطة التلقي العربي. ففي تاريخ الأدب العربي الحديث أسماء كثيرة تستحق أن تُقرأ بوصفها جزءًا من المركز لا من الهامش، والعباسي واحد من أبرزها. إن حضوره القوي في السودان، واعتراف الدراسات الأكاديمية به رائدًا من رواد النهضة الشعرية السودانية، وديوانه المطبوع في القاهرة، ومكانته في تراجم الأدب العربي، كلها تدل على أننا أمام شاعر أكبر من حدود الشهرة المدرسية الضيقة.
خاتمة
لماذا يبقى محمد سعيد العباسي شاعرًا محوريًا؟
يبقى محمد سعيد العباسي شاعرًا محوريًا لأنه جمع خصالًا قلّ أن تجتمع بهذا الوضوح: جزالة العمود، وصدق المكان السوداني، وروح الفروسية، والوعي الوطني والقومي، والقدرة على أن يجعل التراث حيًّا لا محفوظًا فقط. لقد خرج من بيئة النيل الأبيض، وحمل معه القرآن والعروض والبادية، ثم مرّ بمصر وتعليمها الحديث، وعاد إلى السودان ليكتب شعرًا لم يكن تابعًا للماضي ولا قطيعة معه، بل امتدادًا قويًا له في زمن جديد.
ومن هنا فإن كتابة مقال عن العباسي ليست مجرد توثيق لسيرة شاعر من السودان، بل هي عودة إلى أحد الأصوات التي ساعدت القصيدة العربية الحديثة في السودان على أن تعرف نفسها: قصيدةً عربية في أصولها، سودانيةً في أرضها وخيالها، حديثةً في وعيها بما حولها. ولهذا يستحق محمد سعيد العباسي أن يُقرأ بوصفه صفحة مركزية في قسم الشعراء، لا لأن زمنه مضى، بل لأن صوته ما يزال يحمل شيئًا من الجلال والنقاء والاتساع الذي يجعل القصيدة قادرة على البقاء.








