نص قصيدة يا ابن ذي المجد من لدن عرف
محتوى المقال
حين يتحول الفخر إلى وعي… والهوية إلى مسؤولية
مقدمة
تُعد قصيدة «يا ابن ذي المجد من لدن عرف» من قصائد المدح الرفيع عند الشاعر السوداني التجاني يوسف بشير، وفيها يجمع الشاعر بين الاحتفاء بالمجد، والتعظيم للمكانة الدينية والاجتماعية، والإشادة بالكرم والنسب وخدمة الوطن. فالقصيدة لا تقوم على مدح سطحي عابر، بل تحاول أن ترسم صورة رجل ذي أصل كريم، ومقام مهيب، وأثر واضح في الناس والبلاد.
وتظهر في القصيدة روح التجاني المعروفة؛ فهو لا يمدح لمجرد المديح، بل يربط المجد بالقيم العالية: الحج، والطواف، والسماح، والعطاء، وإضاءة الطريق للنشء، وخدمة السودان. ومن هنا تبدو القصيدة أقرب إلى شهادة شعرية في رجل جمع بين شرف الأصل وحسن الفعل، وبين مكانة اجتماعية وروح دينية وأثر وطني.
يمكنك قراءة التحليل الكامل لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة يا ابن ذي المجد من لدن عرف – التجاني يوسف بشير
نص القصيدة
يا اِبنَ ذِي المَجد مِن لدن عَرف المجـ
ـد وَكانَ الزَمان في عُنفُوانِهِ
حَدث الناس عَن طَوافك بِالبَيـ
ـت وَكَيفَ اِستَلَمت مِن أَركانِهِ
مَوقف لِلعُقول فيهِ التِفاتا
ت وَلِلقَلب وَثبة مِن مَكانه
سحر الدِين يَوم ذاكَ نُفوساً
طاهِرات رَفَعنَ مِن بُنيانه
مَوقف حفت المَلائك جَنبيه
وَصَفت صُفوفَها لِأزدِيانه
خَير ما تُبصر العُيون وَأَشهى
ما يُصيب السَميع في آذانه
ما وَراء الجُموع تَزخَر كَاليم
وَتَحكي العَباب في سَرَيانه
ما وَراء الجُموع غَص بِها اللا
حب غَص الشَحيح مِن أَجرانه
وَيحَها ما تُريد أَن عَجيباً
أَن يَضَل الحَليم عَن وُجدانِهِ
ما تَراها كَأَن وَقع خُطاها
مثل وَخَد القِطار أَو ذَملانه
نالَ مِنها السُرور في كُلِ خَطو
ما يَنال السَلاف مِن نَدمانه
هَؤلاء الألى اِستفزَهُم العِيـ
ـد غداة اِرتَموه عَلى أَحضانِهِ
أَقبَلوا يَحفلون جير بِمَن تَحتَفـ
ـل خَرس الرُبوع في مَهرَجانه
ذَهَبوا حَيث لا الهُدى يَخفي
وَاِنثَنوا حَيث لا النَدى في صوانه
يا خَطير المَكان إِن تَك شَيخاً
فَلأَنتَ المُهيب في أَقرانِهِ
حَفل الشَعب يَوم جئت فَما تُبـ
ـصر إِلا الكِرام مِن فِتيانِهِ
وَعَلا الصَخب يَوم أَبَنت فَما تَسـ
ـمَع إِلا الضَجيج مِن صِبيانه
نَحنُ فِتيان أُمة عَرَفَت كَيفَ
تَجل القَويّ في سُلطانِهِ
كَم ضَرَعنا إِلى الَّذي فَرض الـ
ـحَج لِيَرعاكَ مِن صُروف زَمانِهِ
وَاِبتَهَلنا إِلَيهِ ملءَ أَيادينـ
ـا وَكُلُ دُعاء بِملء جِنانِهِ
فَكَأَنَّما إِذا اِرتَحَلت دُعاء
مُرسَل لِلمَسيح مِن رُهبانِهِ
أَو كَأَنّا تَسبيحة في فَم النا
سك تَجري عَلى مُتون لِسانِهِ
هِيَ لِلعُود وَالبَداءة ما تَنفـ
ـك عوداً وَبَدأة مِن بَنانه
وَكَأَن البِلاد إِذ غِبت عَنها
لَفتات الصِبى مِن تَحنانه
في سَبيل الإِلَه ادلاجك السَير
وَما تَبتَغي سِوى غُفرانه
حَبَذا البَيت بَيت مَن هُوَ يا مَن
حَي وَنعم المَطاف في أَركانِهِ
بَلَد بَعضُهُ يُنازع بَعضاً
فيكَ يَوم اِقتَرَبت مِن كُثبانِهِ
كَم رقاع تَطاوَلَت لَكَ لَما
أَشرَفَ الرَكب آخِذاً مِن عِنانه
إِن صَقعاً تَحل فيهِ رِكاباً
حَل فيهِ العَزيز في إِيمانِهِ
كُنت بَينَ الحَجيج فَرداً فَلَما
قَفل الرَكب كُنت فَرد زَمانِهِ
ينفق الحَج في البِلاد إِذا كا
نَ سراة البِلاد مِن أَعوانه
كُل ما يَبتَغي يَسير وَما المَر
ء بصعب عَلَيهِ اِصلاح شانه
يا سَبيل الكِرام مِن بَطن طَيء
وَاِبن بَيت السَماح مِن كَردَفانه
كَم خَطير مِن المَناصب قَلد
ت فَلم تَأل دائِباً في صِيانه
لا الأَراجيف تَطبيك وَلا قَلـ
ـت مَقالاً عَدَوت عَن رجحانه
قَد بَنى اللَه في الثَرى لَكَ مَجداً
قاحِماً لِلسَماء في بُنيانه
وَتَقلبت في مَدارج ذَلِكَ المَجد
حَتّى جَلَست بَينَ رعانه
مُشرِفات لَكَ النُجوم وَأَنتَ المَر
ء يَدنو هُناكَ مِن زبرقانه
أَنتَ اِشعاع ذَلِكَ القَبَس المَلـ
ـقي ضِياء الهُدى عَلى سودانه
أَنتَ سلسال تِلكم الديم اللا
تي اِنتَظَمنَ الثَرى إِلى ضَمآنِهِ
أَنتَ مَن كانَت القُلوب مَراقيـ
ـه وَحُب القُلوب مَرقى حَنانه
أَنتَ مَن تذكر البِلاد أَياديه
وَتَنسى الصَنيع مِن أَخدانِهِ
جير مَولاي كَم لَكُم مِن أَيادٍ
فَوقَ سح الرباب أَو تَهتانه
مُورِقات أَكفها مِثلَما يَو
رق جثل النَبات مِن أَفنانه
قَد تَوَفَرَت لِلسَماح وَما شـ
ـل يَد الشَيخ مثل حَد سِنانه
كَم غَلى مرجل المُروءة في صَد
رك لَما اِستَثَرت مِن بُركانه
وَاَنَرت الطَريق لِلنَشء إِذ كا
نَ حَماس الشَباب في طُغيانه
ازهري البَيان ماذا يَقول
الشعر عَنكُم وَحيل دُون بَيانه
هبه مَولاي ما تعاوره الأَفلا
س أَوهبه مُشرِفا مِن مَكانه
لَم يُغادره قَومه في يَد العا
ئث فيهِ المَجد دُون اِمتِهانه
أَتَرانا نَجيد فيكَ مَقالاً
أَم تَرانا نَشط عَن اِتقانه
قبر الشعر حِنيئذ قَبر الرا
قد بَينَ العَراء مِن نعمانه
قَبر الشعر مِن لدن حقب مَرَ
ت وَماتَ القَريض في حسانه
نَحنُ نَشكو إِلَيكَ عَصراً تَباهى
بِأَقَل بَينَنا عَلى سُحبانه
نَحنُ نَشكو إِلَيكَ زائف اشعا
ر مراها الزَمان مِن شبانه
كُل ذي لَوثة تَحس رؤولا
بَينَ شدقيهِ أَو عَلى أَذقانِهِ
ذاكَ رَب القَريض رَب قَوافيه
أَمير البَيان في حُسبانه
أَنا وَحدي أَستَصرخ العَدل فيكُم
وَأَحيي القَضاء في إِنسانه
ما إِلى الرَفد قَد مَدَحت وَما
مثل قَناتي تَلين مِن لَمعانه
عمر مَولاي ما أَطباني سحر
المال يَوماً لِرَغبة في اِختِزانه
وَأَنا المَرء مَن عَرَفت أَباء
وَعزوفاً عَن ذله وَهَوانه
لَكَ يا صاحب الفَضيلة آيا
ت قَصيدي وَمُرسَلات رهانه
لَستُ أَرمي عَلى عَواهنه القَو
ل وَلَست الحصور في تِبيانه
لِي في الشعر كَفة لَم تَشَل قَط
وَغَيري الشؤول في مِيزانه
أَنا إِن عشت قَد ضفرت لَـ
ـكُم غاراً كَغار الرَشيد بغدانه
لَم تُتَوَج بِهِ قَياصرة الرُو
مان فيما اِنتَقيت مِن أَلوانه
لِيَكاد اليَراع يَهتَز مِن شَو
ق فَيُملي عَلي وَحيّ جِنانه
إِن قدساً يَفيض مِنكَ حَري
إِن يَبُث الحَياة بَينَ كِيانه
قراءة في النص
الفخر كوعي داخلي
في هذا النص لا يكون الفخر حالة صوتية عالية، ولا خطابًا موجّهًا للآخرين، بل حالة داخلية هادئة، تقوم على الإدراك، على معرفة الذات بما هي عليه، وعلى فهم الامتداد الذي تنتمي إليه، وهذا ما يجعل الفخر هنا أقرب إلى الوعي منه إلى الانفعال، لأنه لا يحتاج إلى إثبات، بل إلى فهم. فالشاعر لا يخاطب الممدوح باسمه مباشرة، بل ينسبه إلى المجد، وكأن هذا المجد سابق عليه وممتد في تاريخه وأصله. فالممدوح هنا ليس صاحب مكانة طارئة، بل امتداد لسلالة من الرفعة والكرم والسماح.
ومن خلال هذا المطلع، يضع التجاني الممدوح في إطار عالٍ من التقدير، ثم يمضي في القصيدة ليؤكد أن المجد لا يكتمل بالنسب وحده، بل بالعمل، وبخدمة الناس، وبالكرم، وبالهداية، وبالأثر الذي يتركه الإنسان في وطنه ومجتمعه.
نبذة قصيرة عن الشاعر التجاني يوسف بشير
التجاني يوسف بشير شاعر سوداني بارز، وُلد في أم درمان، ويُعد من أهم الأصوات الشعرية السودانية في النصف الأول من القرن العشرين. عُرف بشعره الوجداني العميق، ونزعته الروحية، ولغته المشرقة التي تجمع بين الرقة الموسيقية والعمق الفكري.
وقد ارتبط اسمه بديوانه الوحيد «إشراقة»، الذي صدر بعد وفاته، وضم عددًا من قصائده التي تكشف حساسيته العالية تجاه الجمال، والروح، والوطن، والإنسان. وفي قصيدة «يا ابن ذي المجد من لدن عرف» يظهر التجاني شاعرًا قادرًا على تحويل المدح إلى تأمل في القيم، لا مجرد ثناء تقليدي على شخص بعينه.
كما يمكنك التعرف على الشاعر بشكل أعمق:
التجاني يوسف بشير: حياته وشعره وخصوصية تجربته
خاتمة
تبقى قصيدة «يا ابن ذي المجد من لدن عرف» من القصائد التي تكشف جانبًا مهمًا من شعر التجاني يوسف بشير، وهو جانب المدح القائم على القيم الروحية والاجتماعية. فالقصيدة لا تحتفي بالممدوح لأنه صاحب جاه فقط، بل لأنه يمثل في نظر الشاعر معنى المجد حين يقترن بالكرم، والحج، وخدمة الوطن، وإضاءة الطريق للناس.
ومن هنا تأتي قيمة القصيدة؛ فهي تذكّرنا بأن المدح الحقيقي في الشعر ليس مبالغة فارغة، بل تقدير للفضيلة حين تظهر في الإنسان. وقد استطاع التجاني أن يجعل من هذه القصيدة لوحة تجمع بين المجد والدين والوطن والبيان، وأن يمنح الممدوح صورة أخلاقية باقية في الذاكرة الشعرية.
قصائد أخرى للتجاني يوسف بشير
- نص قصيدة يا درة حفها النيل
- نص قصيدة في الموحي
- نص قصيدة أسف مر وآهات أمر
- نص قصيدة من لهذا الأنام يحميه عني

