نص قصيدة من لهذا الأنام يحميه عني
محتوى المقال
حين يخاف الإنسان من نفسه أكثر من العالم
مقدمة
تُعد قصيدة «من لهذا الأنام يحميه عني» من القصائد التي تكشف الوجه القوي والمتمرد في شعر التجاني يوسف بشير، فهي لا تبدأ من الشكوى الهادئة، ولا من التأمل الصوفي الخالص، بل من صوت شاعر يشعر أن قلمه أصبح سلاحه، وأن الورق صار درعه، وأن الكلمة لم تعد مجرد تعبير عن الألم، بل وسيلة لمواجهة العالم والناس والحياة. ومن هنا تبدو القصيدة كأنها إعلان عن قوة الشعر حين يتحول إلى دفاع عن الذات، وإلى صرخة في وجه واقع يثقل الشاعر بالحوادث والضيق والخذلان.
وفي هذه القصيدة يظهر التجاني شاعرًا ممتلئًا بالكبرياء والجرح في الوقت نفسه؛ فهو يعلن قوته، لكنه لا يخفي ألمه، ويتحدث عن ثورة الشباب، وعن الحوادث التي نهلت من دمه، وعن القلم الذي يصنع السحر تارة ويصبح صارمًا تارة أخرى. لذلك فإن القصيدة ليست مجرد اعتداد بالنفس، بل صورة مركبة لشاعر يحاول أن يحوّل ضعفه إلى قوة، وحزنه إلى طاقة، وضيقه من الحياة إلى شعر مشحون بالحركة والتمرد.
يمكنك قراءة التحليل الكامل لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة من لهذا الأنام يحميه عني – التجاني يوسف بشير
نص القصيدة
مَن لِهَذا الأَنام يَحميه عَني
قَلمي صارِمي وَطُرسي مَجني
هُوَ فَنى إِذا اِكتَهَلت وَما زا
ل عَلى ريق الحَداثة فَني
نَهلت مِن دَمي الحَوادث وَاِستَر
وي يَراعى مِما يَدفع دَني
تَحرقت في الهَوى وَالصَبابا
ت وَأَلهَبت في المَزاهر لَحني
علم الحَسَن ما أَكابد مِن وَجد
وَما تَنفد الصَبابة مِني
وَالجَمال الحَبيب يَعلم كَم أَلهَبت
فكري أَسى وَأَسهَرت جِفني
وَيَل هَذا الأَنام مِن قَلبي البا
كي وَوَيحي مِما يَجُر التَجَني
حَشَدت جُندَها الحَياة وَزجت
فيهِ مِن مُفزع القَوي كُل قرن
إِنَّها ثَورة الحَياة فَمِن لِلكَو
ن يَحميهِ مِن قَذائف رَعن
أَنَّها ثَورة الشَباب لَم أَجد كَالشَباب
يَبسا مَراعيهِ وَلا كَالصَبا أَعز لِعَيني
يَفرَح الطِين في يَدي فَأَلهو
جاهِداً أَهدم الحَياة وَأَبني
كَم أَشيد الحَصا قُصوراً وَكَم أَكبَر
مِن شَأنِها وَأَقدَر شَأني
وَطَني في الصَبي الدمى وَالتَما
ثيل وَنَفسي وَمَن أُحب وَخدني
قُل لِهَذا الصَبي ماذا يَكفيـ
ـك إِذا لَم تَكُن أَلا عَيب جَن
هَذِهِ يا أَبي تَصاوير ما تَـ
ـبرَح دُنياي أَو تَزايل كَوني
يَصنَع الغاب مَزهَري وَيَشيد الرَ
مل عَرشي وَيَبعَث اللَهو أَمني
تِلكَ عُرسي وَأَنَّها صُنع نَفسي
بِيَدي صُغتَها وَذيالَك اِبني
هِيَ دُنيا الصَبي لا جَنَة الشَيخ
تَفيض النَعيم مِن كُل لَون
يا يُراعي الَّذي مَضى يَخلَق السـ
ـحر زَماناً وَيَطيبه المَغنى
وَالَّذي يَرقَص الحَياة وَيَستَر
سل في خدعة الهَوى وَالتَمني
كُل عَين فيها مِن السحر يَنبو
ع هَوى أَغمَضت إِلَيك بِدين
كُل ما في الحَياة مِن ذات نهد
ين وَمِن ذي غَلالَتين أَغن
أَنتَ مَجلى جَماله بِالَّذي تَشتنـ
ـار مِن كَرَمة البَيان وَتَجني
قِف بِنا نَملأ البِلاد حَماساً
وَنَقوض مِن رُكنِها المَرجحن
هِيَ لِلنازِحين مَورد جود
وَهِيَ لِلآهلين مبعث ضَن
يَستدر الأَجانب الخَير مِنها
وَالثَراء العَريض في غَير مِن
أَبطَرتهم بِلادُنا فَتَعالى أَبـ
ـن أَثينا وَاستكبر الأَرمَني
يا بِلادي أَخلَصتك الخَير وَاِست
عفَيت وِدي إِلَيك مِن كُل مِين
يا بِلادي وَأَنتَ أَضيق مِن رز
قي مَجالاً وَدُون اخرات أُذني
حَسب قَلبي مِن الأَسى ما أُلاقي
ملء جَنبي مِن كَلال وَأَين
وَبِحَسبي مِن حاجة عوز يَد
فَع نَفسي إِلى فِراق وَبَين
قراءة في النص
الخوف الداخلي
في هذا النص لا يكون الخوف موجّهًا نحو الخارج، بل نحو الداخل، حيث لا يخاف الإنسان مما قد يحدث له، بل مما قد يصدر عنه، وهذا التحول في مصدر الخوف يمنح النص عمقه، لأنه يكشف عن مستوى أعمق من الوعي، حيث يدرك الإنسان أنه ليس دائمًا سيد نفسه. فالشاعر يضع نفسه في موقع القوة، ويسأل عمّن يستطيع أن يحمي الناس من اندفاعه الشعري. لكن هذه القوة ليست قوة سيف حقيقي، بل قوة القلم، فالكتابة عنده تتحول إلى صارم، أي سيف قاطع، والورق يتحول إلى مجن، أي درع يحتمي به الشاعر في معركة الحياة.
ومن خلال هذه الصورة، يعلن التجاني أن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل سلاح روحي وفكري. فالشاعر لا يملك سلطة مادية، لكنه يملك الكلمة، والكلمة في لحظة الصدق قد تكون أقوى من السلاح، لأنها تكشف، وتقاوم، وتفضح، وتعيد بناء العالم في الخيال. ولهذا تبدو القصيدة صرخة شاعر جريح، لكنه لا يريد أن يبقى في موقع الضعف، بل يجعل من قلمه قوة تواجه الأنام والحوادث والواقع كله.
نبذة قصيرة عن الشاعر التجاني يوسف بشير
التجاني يوسف بشير شاعر سوداني بارز، وُلد في أم درمان، ويُعد من أهم الأصوات الشعرية في السودان في النصف الأول من القرن العشرين. عُرف برهافة وجدانه، وعمق تجربته الروحية، وقدرته على الجمع بين التأمل الصوفي، والرؤية الرومانسية، والنبرة الحزينة التي تنفتح أحيانًا على التمرد والاحتجاج.
وقد ارتبط اسم التجاني بديوانه الوحيد «إشراقة»، الذي صدر بعد وفاته وضم خلاصة تجربته الشعرية القصيرة والمؤثرة. وفي قصيدة «من لهذا الأنام يحميه عني» يظهر جانب مختلف من هذه التجربة؛ إذ نرى الشاعر لا بوصفه متأملًا حزينًا فقط، بل بوصفه ذاتًا ثائرة، تحمل القلم كسلاح، وترى في الشعر وسيلة للدفاع عن الكرامة والوجود والخيال.
كما يمكنك التعرف على الشاعر بشكل أعمق:
التجاني يوسف بشير: حياته وشعره وخصوصية تجربته
خاتمة
تبقى قصيدة «من لهذا الأنام يحميه عني» من القصائد المهمة في شعر التجاني يوسف بشير، لأنها تكشف عن طاقة داخلية حادة تجمع بين الكبرياء والألم، وبين التمرد والحاجة، وبين قوة القلم وهشاشة القلب. فالشاعر يبدو في ظاهر القصيدة مهاجمًا، لكنه في عمقها إنسان جريح يحاول أن يحمي نفسه بالشعر من قسوة الحياة.
ومن هنا تأتي قيمة القصيدة؛ فهي تذكّرنا بأن الشعر قد يكون أحيانًا درعًا وسيفًا في وقت واحد، وأن القلم حين يخرج من قلب متألم لا يكون أداة كتابة فحسب، بل يصبح وسيلة للمقاومة والنجاة. إنها قصيدة عن الشاعر حين يواجه العالم بما يملك: قلمه، وورقه، وخياله، وجرحه الذي يتحول إلى قوة.
قصائد أخرى للتجاني يوسف بشير
- نص قصيدة يا ابن ذي المجد من لدن عرف
- نص قصيدة يا درة حفها النيل
- نص قصيدة في الموحي
- نص قصيدة أسف مر وآهات أمر

