نص قصيدة البحث عن السعادة
محتوى المقال
رحلة الإنسان في مطاردة المعنى
مقدمة
في قصيدة البحث عن السعادة لا تكتب نازك الملائكة عن هدف بسيط يسعى الإنسان لتحقيقه، بل عن رحلة طويلة ومعقدة يعيشها الإنسان وهو يحاول أن يفهم ما الذي يجعله سعيدًا حقًا. فالسعادة في هذا النص لا تظهر كحالة جاهزة يمكن الوصول إليها بوضوح، بل كفكرة متحركة، تتغير مع الزمن، وتتبدل مع التجربة، وكأنها شيء يتشكل في داخل الإنسان بقدر ما يبحث عنه في الخارج.
في هذا النص لا يكون السؤال عن السعادة سؤالًا مباشرًا، بل سؤالًا يتخفى في تفاصيل الحياة اليومية، في تلك اللحظات التي يشعر فيها الإنسان بأنه اقترب من الراحة، ثم يكتشف فجأة أن هذا الإحساس لم يكن ثابتًا، وأن ما ظنه نهاية الطريق لم يكن إلا محطة عابرة. ومن خلال هذا التصوير تكشف نازك الملائكة عن طبيعة الإنسان الذي لا يهدأ، الذي يبحث دائمًا عن شيء أبعد، حتى لو لم يكن يعرف شكله بدقة.
يمكنك قراءة الدراسة الأدبية الكاملة لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة البحث عن السعادة – نازك الملائكة
نص القصيدة
قد بحثنا عن السعادة لكن
ما عثرنا بكوخها المسحور
أبدا نسأل الليالي عنها
وهي سرّ الدنيا ولغز الدهور
طالما حدّثوا فؤادي عنها
في ليالي طفولتي وصبايا
طالما صوّروا لعينيّ لقيا
ها وألقوا أنباءها في رؤايا
فهي آنا ليست سوى العطر والأل
وان والأغنيات والأضواء
ليس تحيا إلا على باب قصر
شيّدته أيدي الغنى والرخاء
وهي آنا في الصوم عن متع الدن
يا وعند الزّهاد والرهبان
ليس تحيا إلا على صخر المع
بد بين الدعاء والإيمان
وهي حينا في الإثم والمتع الدن
يا وفي الشرّ والأذى والخصام
ليس تصفو إلا لقلب دنيء
لآئذ بالشرور والآثام
وهي في شرع بعضهم عند راع
يصرف العمر في سفوح الجبال
يتغنى مع القطيع إذا شا
ء تحت الشذى والظلال
وهي في شرع آخرين ابنة العز
لة والفنّ والجمال الرفيع
ليس تحيا إلا على فم غرّي
د يغني أو شاعر مطبوع
وهي حينا في الحبّ يلهمها سهـ
ـم كيوبيد قلب كلّ محبّ
ليس تحيا إلا على شفة العا
شق يشدو حياته لحن حبّ
حدّثوني عنها كثيرا ولكن
لم أجدها وقد بحثت طويلا
لم أزل أصرف الليالي بحثا
وأغّني بها الوجود الجميلا
مرّ عمري سدى وما زلت أمشي
فوق هذي الشواطىء المحزونه
لم أجد في الرمال إلا بقايا ال
شوك! يا للأمنية المغبونه
أين اصدافك اللوامع يا شطّ
إذن أين كنزك الموعود؟
هاته رحمة بنا ,هات كنزا
هو ما يرتجيه هذا الوجود
هاته حسب رملك البارد القا
سي خداعا لنا وحسبك هزءا
يا لحلم نريد منه اقترابا
وهو ما زال أيّها الشطّ ينأى
لم تعد قصّة السعادة تغر
يني فدعني على شاطىء الآهات
عبثا أرتجي العثور على الكنـ
ـز فلا شيء غير صمت الحياة
أين من هذه الحياة ابتساما
ت الأماني ونشوة الأفراح؟
كيف يحيا فيها السعيد
وليست غير بحر تحت الدجى والرياح
طال بحثي يا ربّ أين ترى ذا
ك السعيد الجذلان أين تراه؟
ليس حولي إلا دياجير كون
ليس يفنى بكاؤه وأساه
كل يوم ميت يسير به الأح
ياء باكين نحو دنيا الظلام
يا لأسطورة الخلود فما الخا
لد غير القبور والآلام
يا دويّ النواح في الأرض أيّا
ن يكفّ الباكون والصارخونا؟
ومتى ينتهي الشقاء متى ير
تاح كون ذاق العذاب قرونا
عالم كلّ من على وجهه يش
قى ويقضي الأيام حزنا ويأسا
جرّعته السنين حنظلها المرّ
فعاف الحياة عينا ونفسا
إيه أسطورة السعادة هاتي
حدّثيني عن سرّك المنشود
أين ألقاك؟ أين مسكنك المر
موق؟ في الأفق أم وراء الوجود؟
سرت وحدي تحت النجوم طويلا
أسأل الليل والدياجير عنك
أسفا لم أجدك في الشاطىء الصخ
ريّ حيث المياه تفتأ تبكي
حيث تبقى الأشواك والورد يذوي
تحت عين الأيّام والأقدار
حيث يفنى الصفاء والليل يأتي
بجنون الأنواء والأعصار
حيث تقضي الأغنام أيّامها غر
ثى ولا عشب في جديب المراعي
أبدا تتبع السراب وتشكو
بخل دهر مزّيف خدّاع
حيث يحيا الغراب, والبلبل المو
هوب يهوي في عشّه المضفور
ويغّني البوم البغيض على الدو
ح ويثوي القمريّ بين الصخور
حيث تبقى الغيوم في الجوّ رمزا
لحياة سوادها ليس يفنى
حيث تبقى الرياح تصفر لحنا
هو سخرّية المقادر منّا
حيث صوت الحياة يهتف بالأحـ
ـياء : ماذا تحت الدجى تبتغونا؟
انظروا كلّ ما على الأرض يبكي
فأفيقوا يا معشر الحالمينا
قراءة في النص
السعادة كأفق بعيد
في هذا النص لا تُقدَّم السعادة كشيء يمكن الإمساك به، بل كأفق يظل بعيدًا مهما اقترب الإنسان منه، وكأنها فكرة تتجدد باستمرار، لا تستقر في نقطة واحدة. وهذا التصوير يعكس طبيعة التجربة الإنسانية، حيث لا يكون البحث عن السعادة رحلة تنتهي، بل حالة دائمة من السعي. فالشاعرة تبدأ من تجربة البحث لا من تجربة الوصول. هناك رغبة إنسانية عميقة في العثور على السعادة، لكن النتيجة الأولى هي الخيبة؛ فذلك «الكوخ المسحور» الذي تخيله القلب مأوى للسعادة لا يظهر في الواقع كما رسمه الخيال.
ومن خلال هذه الصورة، تتحول السعادة إلى شيء قريب من الأسطورة: نسمع عنها كثيرًا، نحلم بها، نطارد أثرها، لكننا لا نجدها بسهولة. وهذا ما يمنح القصيدة طابعها الفلسفي، فهي لا تسأل عن لحظة فرح عابرة، بل عن معنى السعادة في الوجود الإنساني كله.
نبذة قصيرة عن الشاعرة نازك الملائكة
نازك الملائكة شاعرة عراقية بارزة، وُلدت في بغداد عام 1923م، وتوفيت عام 2007م، وتُعد من أهم الشاعرات العربيات في القرن العشرين. ارتبط اسمها بريادة الشعر الحر أو شعر التفعيلة، كما عُرفت بحسها النفسي العميق، واهتمامها بأسئلة الحزن والموت والوحدة والبحث عن المعنى.
تميّز شعر نازك بأنه لا يكتفي بالتعبير عن العاطفة المباشرة، بل يحوّل العاطفة إلى سؤال فكري ووجودي. وفي قصيدة «البحث عن السعادة» يظهر هذا الجانب بوضوح؛ فهي لا تكتب عن الحزن وحده، بل عن الإنسان حين يفتش في طرق الحياة كلها عن شيء يمنحه الطمأنينة، ثم يكتشف أن السعادة أعمق من أن تُختصر في مكان أو مال أو حب أو فن.
كما يمكنك التعرف على الشاعرة بشكل أعمق من خلال هذا المقال:
نازك الملائكة: حياتها وشعرها وأثرها في الشعر العربي الحديث
خاتمة
تبقى قصيدة «البحث عن السعادة» من النصوص المهمة في شعر نازك الملائكة، لأنها تلامس سؤالًا إنسانيًا لا ينتهي. فكل إنسان يبحث بطريقته عن السعادة، وقد يظنها في المال، أو الحب، أو الفن، أو العزلة، أو الإيمان، لكنه يكتشف أن الطريق إليها ليس واضحًا ولا سهلًا.
ومن هنا تأتي قيمة القصيدة؛ فهي لا تمنح جوابًا جاهزًا، بل تجعل القارئ يشارك الشاعرة رحلة السؤال. إنها قصيدة عن السعادة الغائبة، وعن الإنسان الذي يواصل البحث رغم الخيبة، وعن الشعر حين يتحول إلى محاولة لفهم سر الحياة لا مجرد وصف لها.
قصائد أخرى لنازك الملائكة
- نص قصيدة أنشودة السلام
- نص قصيدة أحزان الشباب
- نص قصيدة مأساة الشاعر
- نص قصيدة على تل الرمال

