نص قصيدة أنشودة السلام

حين يتحول الأمل إلى ضرورة إنسانية

مقدمة

في قصيدة أنشودة السلام لا نقرأ نصًا شعريًا يتغنى بفكرة مجردة أو حلم بعيد، بل ندخل في تجربة إنسانية عميقة، حيث يصبح السلام حاجة داخلية ملحّة، لا تقل أهمية عن أي من احتياجات الإنسان الأساسية. فالشاعرة لا تنطلق من موقع الوعظ أو التنظير، بل من موقع الشعور، من ذلك الإدراك الحاد الذي يجعل الإنسان يرى العالم في حالته المضطربة، ويشعر بثقل هذا الاضطراب في داخله، وكأن ما يحدث في الخارج يمتد إلى أعماقه.

في هذا النص لا يكون السلام مجرد غياب للحرب، بل حالة وجودية، حالة من التوازن التي يبحث عنها الإنسان في عالم تتنازعه الصراعات. ومن خلال هذا التصور تتحول القصيدة إلى نوع من النداء الهادئ، لا يصرخ، لكنه يصل، لأنه ينبع من تجربة صادقة، ومن وعي عميق بطبيعة الإنسان وتناقضاته.

يمكنك قراءة الدراسة الأدبية الكاملة لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة أنشودة السلام – نازك الملائكة

نص القصيدة

أيهــا السـادرونَ فـي ظلمـة الأر
ض كفـــاكم شــقاوةً وذهــولا
احــملوا نــادمينَ أشــلاء موتـا
كـم ونوحـوا عـلى القبـور طـويلا
ضمّخوهــا بــالعطر لفّـوا بقايـا
هــا بزَهْــر الكنــارِ والياسـمينِ
واهتفــوا حولهـا بأنشـودة السـلـ
ــمِ ليهنـا فـي القـبر كـلُّ حـزينِ
اجــمعوا الصبيـة الصغـار ليشـدوا
بلحـــون الصفـــاء والابتســامِ
أنقـذوا الميّتيـن مـن ضجّـة الحـر
بِ ليستشــعروا جمــال الســلامِ
فيـم هـذا الصـراع يـا أيهـا الأحـ
ـيـاءُ؟ فيـم القتـالُ؟ فيـم الدماءُ؟
فيـمَ راح الشُـبّانُ فـي زَهْـرة العُمْـ
ــرِ ضحايـا وفيـمَ هـذا العِـداءُ؟
أهْـو حـبُّ الـثراءِ؟ يا عَجَبَ القلـ
ــبِ! ومـا قيمـة الـثراء الفـاني؟
فـي غـدٍ رحلـةٌ فهـل يـدفع الأمـ
ـــواتُ بالمـالِ وحشـةَ الأكفـانِ؟
كـل حـيّ غـدًا إلـى القـبر مَغْـدَا
هُ فهــل ثَـمَّ فـي الممـاتِ ثـراءُ؟
افتحــوا هــذه القبــورَ وهـاتوا
حدِّثونــا أيــنَ الغِنَـى والرخـاءُ؟
انظـروا هـا هنا على الشوكِ والرَمْـ
ـــلِ ثـوى الأغنيـاءُ والمُعْدمونـا
أيُّ فَـرْقٍ تـرى وهل غيرُ صمتِ الـ
ـمـوتِ فـوق القبـور والراقدين؟
عجبًـا مـا الـذي إذن سـاق هذا الـ
ـكــون للمـوتِ والأذى والدَّمَـارِ؟!
فيـم تحـدو الشُـعوبَ أطمـاعُ غـرٍّ
يتصبَّــى عينيــهِ وهْـجُ النـار ِ؟
نشـوةُ النَّصْـرِ؟ يـا لسُـخْرية الألـ
ـفـاظِ! يـا لَلأَوهـامِ يـا لَلضَّـلالِ!
أيهــا الواهمــونَ حســبكمو وهْـ
ـمًـا وهبُّـوا مـن الكَـرَى والخيـالِ
نحـن أَسْـرَى يقودنـا القَـدَرُ الأعـ
ـمــى إلـى ليـل عـالمٍ مجـهولِ
ليس منــا مــن يســتطيع فكاكًـا
ليس منــا غــير الأسـيرِ الـذليلِ
أبــدًا تــأمرُ الليــالي ونمشــي
ليس يُجْــدي تضــرّعٌ أو بكــاءُ
ليس يخشــى الممـاتُ صولـةَ جبّـا
رٍ ومـــا يســـتثيرُهُ الضُّعَفــاءُ
هكــذا المـوتُ غـالبٌ أَبَـدَ الـدهْـ
ـر ونحن الصَّرْعَى الضعافُ الحيارَى
ولــه النصْــرُ والفخــارُ علينـا
فــاندبوا مــا دعوتمـوهُ انتصـارا
أيّهــا العــالمُ المخـرَّبُ قـد أسـ
ـفَـرَتِ الحـربُ عـن غلابِ المنايا
شــهدتْ هـذهِ القبـورُ لهـا بـالنـ
ـصْـرِ يـا رحمتـا لتلـك الضحايـا
ثـم مـاذا يـا سـاكني العـالم المحـ
ــزونِ؟ مـاذا مـن القتـال جنيتُمْ؟
وهـل وصلتـم إلـى النجـوم البعيـدا
تِ وهـل مِـن كـفّ العذابِ نجوتم؟
هــل تغلَّبتُـمُ عـلى الفقـر والأحـ
ـــزانِ والسُّــقْمِ أيّهـا الواهمونـا
أنجـــوتم مــن المــآثمِ أم لــم
يَـــزَلِ العيشُ فتنـــةً ومُجُونــا
أســفًا لـم تـزل كمـا كـانت الأنـ
ـفُسُ تحيــا فــي إثمهـا الأبـديِّ
لـم تـزل خـمرةُ الضلال رجاء الـ
آدمييــنَ فــي الوجــود الشـقيِّ
لـم تـزل فـي الوجـود أغنيـةُ الحز
نِ يغنّــي بهــا الضعـاف الجيـاعُ
لـم يـزل في الوجود مرضى حَيَارَى
أبــــدًا تعـــتريهمُ الأوجـــاعُ
كـل شـيء بـاقٍ كمـا كان قبل الـ
ـحــربِ غـير الأيتـام والأمـواتِ
غــير ظـلّ مـن الكآبـة والحَـيْـ
ــرةِ يمشـي عـلى ضفـاف الحياةِ
هــؤلاء الأيتــامُ بـالأمس كـانوا
صــورةَ البِشْـر والمـراحِ الجـميلِ
تحـت ظـلّ الآبـاء يقضـون عيشًـا
مــا دَرَوْا غـير صَفْـوِهِ المعسـول
وأفــاقوا مــن حـلمهم فـإذا الأقـ
ــدارُ حـربٌ والكـونُ قتـلٌ ونـارُ
يـا عيـونَ الأطفـال لا تسـألي الدنـ
ـيـا عـلام اللَّظَـى؟ وفيـم الدمارُ؟
فـي سـبيل المجـدِ المـزيّفِ هذا الـ
ـهــولُ لا كـان مجـدُهم لا كانـا
فـي سـبيل النَّصْـرِ الممـوّه عاد الـ
ـعـالم الحـلو فـي اللهيـبِ دخانـا
هـؤلاء الصَّـرْعَى على الصخْر والشو
كِ شـــبابًا وفتيـــةً وكهـــولا
كــيف كـانوا بـالأمسِ آيـةَ رؤيـا
رَسَـــموها فلــم تَهِشَّ طــويل؟
أيّهـا الأشـقياءُ فـي الأرض يـا من
لــم تُمتْهــم قــذائفُ النــيرانِ
عبثًـــا تــأملون أن يرجــع الآ
نَ أعـــزَّاؤكم إلـــى الأوطــانِ
انظــروا هـا هـم الجـنودُ يعـودو
نَ فُــرَادَى مهشّــمي الأعضــاءِ
آهِ لـــولا بقيـــةٌ مــن حيــاةٍ
لــم يُعَــدّوا فـي جملـةِ الأحيـاءِ
عبثًــا يبحــثون فـي هـذه الأنـ
ـقـاضِ عـن أهلهـم وعـن مأواهم
عبثًــا يســألون مــا يعلـم العـا
بــرُ شــيئًا فيــا لنــارِ أسـاهم
كـيف ذاقـوا مـرارة الخيبـة السَّـوْ
داءِ بعــــــــد الآلامِ والأدواءِ
هـل نَجَـوْا من براثن الموت والأسـ
ــر لكـي يسـقطوا أَسَارَى الشقاءِ؟
أيّهــا الأشــقياءُ يـا زُمَـر الأحـ
ـيــاءِ فـي كـلّ قريـةٍ وصعيـدِ
آنَ أن نســـتعيدَ مــاضيَ حُــبٍّ
هــو مفتــاحُ حُلْمنــا المفقــودِ
مـا الـذي بيننـا مـن البغض؟ ماذا
كــان ســرُّ القتــالِ والأَحقـادِ؟
أيّهــا النــاقمون نحــن جميعًــا
شَـرَعٌ فـي أيـدي الخـطوب الشدادِ
نحـن نحيـا فـي عـالم ليس يُـدْرَى
ســرُّه فهــو غيهــبٌ مجــهولُ
تطلـعُ الشـمسُ كـل يـومٍ فمـا كُنْـ
ــهُ سـناه؟ وفيـم كـان الأفـولُ؟
مـا الـذي يُطْلـعُ النجـومَ عـلى الكو
نِ مسـاءً؟ مـا كنْـهُ هـذا الوجودِ؟
أيُّ شـيءٍ هـذا الفضـاءُ؟ وما سر
دُجَــاهُ؟ هـل خلفَـهُ مـن حُـدودِ؟
نحن هل نحن في الوجود سوى الجهـ
ــلِ مصُوغًـا فـي صورة الإنسانِ؟
كـلُّ مـا فـي الأكـوانِ يحكمنـا ما
ذا إذنْ ســـرُّ ذلــك الطُغيــانِ؟
فيـم نطغـى؟ وكيف ننسَى قوى الكو
نِ ومـا فـي الوجـود أضعـف منّـا
ينخَــرُ الـدودُ مـا نَشِـيدُ ولا تُـبْـ
ـقــي الــبراكينُ والريـاحُ علينـا
فيــم نقضـي حياتنـا فـي العـداوا
تِ ونُمْضـي السـنينَ يأسًـا وحزن؟
كــيف ننسَـى أَنّـا نعيشُ حيـاة الـ
ــوردِ سـرعان مـا يمـوتُ ويَفْنى
لـن تـدومَ الأَيّـامُ لـن يحـفَظَ الدهـ
ــــرُ كيانًــا لكــائنٍ بَشَــريِّ
فلنَــدَعْ هــذه الضغــائنَ والأحـ
ـقــادَ ولنَحْـيَ فـي الـودادِ النقـيِّ

قراءة في النص

السلام كحاجة داخلية

في هذا النص لا يظهر السلام بوصفه اتفاقًا سياسيًا أو حالة خارجية فقط، بل بوصفه حاجة داخلية يعيشها الإنسان في أعماقه. فالشاعرة تشير إلى أن الإنسان لا يبحث عن السلام لأنه فكرة جميلة، بل لأنه يشعر بغيابه، ولأن هذا الغياب يترك أثرًا نفسيًا عميقًا. فالشاعرة لا تتحدث بهدوء عابر، بل توجه نداءً حاسمًا إلى الغافلين الذين يسيرون في ظلمة الأرض، كأنهم لا يدركون فداحة ما تصنعه الحروب. وكلمة «كفاكم» تحمل معنى التوقف العاجل، وكأن القصيدة صرخة إنسانية في وجه الدم والخراب، لا مجرد تأمل شعري هادئ.

ومن خلال هذا المطلع، يصبح السلام في القصيدة موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا، لا مجرد حلم رومانسي. فالشاعرة ترى أن الحرب ليست بطولة كما تصوّرها الشعارات أحيانًا، بل شقاوة وذهول وعمى روحي، وأن أول طريق السلام يبدأ من أن يستيقظ الإنسان من غفلته، وينظر إلى الموتى والقبور والأطفال الذين ينتظرون عالمًا أقل قسوة.

نبذة قصيرة عن الشاعرة نازك الملائكة

نازك الملائكة شاعرة عراقية كبيرة، وُلدت في بغداد عام 1923م، وتوفيت عام 2007م، وتُعد من أبرز الشاعرات العربيات في القرن العشرين. ارتبط اسمها بريادة الشعر الحر أو شعر التفعيلة، كما عُرفت بحسها المأساوي العميق، واهتمامها بقضايا الحزن والموت والوحدة والبحث عن المعنى.

وقد تميز شعر نازك بأنه لا يكتفي بالتعبير عن الذات الفردية، بل يتسع أحيانًا ليحمل همومًا إنسانية عامة، كما في قصيدة «أنشودة السلام». ففي هذا النص تظهر نازك شاعرةً قلقة على الإنسان لا على نفسها فقط، ترى الحرب مأساة أخلاقية وروحية، وتبحث في الشعر عن صوت قادر على تذكير البشر بجمال السلام وبشاعة الدم.

كما يمكنك التعرف على الشاعرة بشكل أعمق من خلال هذا المقال:
نازك الملائكة: حياتها وشعرها وأثرها في الشعر العربي الحديث

خاتمة

تبقى قصيدة «أنشودة السلام» من القصائد المهمة في شعر نازك الملائكة، لأنها تكشف وجهًا إنسانيًا عميقًا في تجربتها الشعرية. فهي لا تكتفي برثاء الموتى، بل تجعل من رثائهم دعوة إلى إنقاذ الأحياء من تكرار المأساة، وتضع الأطفال والزهور والأنشودة في مواجهة القبور والأشلاء وضجيج الحرب.

ومن هنا تأتي قيمة القصيدة؛ فهي تقول إن السلام ليس ضعفًا، بل هو أرقى صور الوعي الإنساني، وإن الحرب لا تترك خلفها مجدًا خالصًا، بل تترك موتى يحتاجون إلى السكينة، وأطفالًا يحتاجون إلى مستقبل أكثر رحمة. إنها قصيدة عن الإنسان حين يضل طريقه في ظلمة الأرض، وعن الشعر حين يحاول أن يعيده إلى نور السلام.

قصائد أخرى لنازك الملائكة

        اترك تعليقاً

        لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *