نص قصيدة الطلاسم
محتوى المقال
قصيدة فلسفية عن لغز الوجود الإنساني
تُعد قصيدة «الطلاسم» من أشهر قصائد إيليا أبو ماضي وأكثرها ارتباطًا باسمه، حتى لُقّب أحيانًا في التداول الثقافي العربي بـشاعر الطلاسم. كما تُنسب القصيدة إلى ديوان «الجداول» الصادر سنة 1927، وتُقرأ عادة بوصفها من أبرز نصوصه التأملية والوجودية.
وتنبع أهميتها من أنها لا تقدّم أجوبة جاهزة، بل تبني عالمًا من الأسئلة حول الحياة والموت والمصير والمعرفة، وتجعل عبارة «لست أدري» محورًا نفسيًا وفكريًا يتكرر داخل القصيدة. ولهذا بقيت «الطلاسم» حية في الذاكرة العربية، لا بوصفها قصيدة فلسفية فقط، بل بوصفها نصًا يمنح الحيرة نفسها قيمة شعرية.
يمكنك أيضًا قراءة الدراسة الأدبية الكاملة لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة الطلاسم – فلسفة الوجود في شعر إيليا أبو ماضي
نص القصيدة
جئتُ لا أعلم من أين ولكني أتيتُ
ولقد أبصرت قُدّامي طريقا فمشيتُ
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيتُ
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست ادري
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجودْ
هل أنا حرٌ طليقٌ أم أسيرٌ في قيودْ
هل أنا قائدُ نفسي في حياتي أم مقود
أتمنّى أنني ادري ولكن
لست أدري!
وطريقي ما طريقي أطويلٌ أم قصير
وهل أنا أصعد أم أهبط فيه أم أغور
أأنا السائر في الدرب أم الدرب يسير
أم كلانا واقفٌ والدهر يجري
لستُ أدري!
أتراني قبلما أصبحتُ إنسانا سويا
أتراني كنت محواً أم تراني كنت شيئا
ألهذا اللغز حل أم سيبقى أبديا
لست أدري، ولماذا لست أدري؟
لست أدري!
قد سألت البحر يوما هل أنا يا بحر مِنكا
هل صحيح مارواه بعضهم عنِّي وعنكا
أم ترى مازعموا زورا وبهتانا وإفكا
ضحِكَتْ أمواجُه مني وقالت
لست أدري!
أيها البحر أتدري كم مضت ألفٌ عليكا
وهل الشاطئ يدري أنه جاث لديكا
وهل الأنهارُ تدري أنها منك إليكا
ما الذي الأمواج قالت حين ثارت
لست أدري!
كم فتاةٍ مثل ليلى وفتىً كابن الملوّحْ
أنفقا الساعات في الشاطئ، تشكو وهو يشرحْ
كلّما حدَّث أصغتْ وإذا قالت ترنّح
أحفيف الموج سر ضيعاه؟
لست أدري!
إن في صدري يا بحرُ لأسراراً عجابا
نزل السِّتر عليها وأنا كُنت الحِجابا
ولِذا أزدادُ بُعداً كلّما ازددتُ اقترابا
وأُراني كلمّا أوشكت أدري
لست أدري!
فيك مثلي أيها الجبّارُ أصداف ورملُ
إنّما أنت بلا ظلِّ ولي في الأرض ظلُ
إنما أنت بلا عقل ولي يا بحرُ عقلُ
فلماذا يا ترى أمضي وتبقى؟
لست أدري
كم ملوكٍ ضربوا حولَكَ في الليلِ القبابا
طلعَ الصبحُ ولكنْ لم تجدْ إلا الضبابا
ألهم يا بحرُ يوماً رجعةٌ أم لا مآبا؟
أهمُ في الرملِ قال الرملُ : إنِّي
لست أدري
يرقصُ الموجُ وفي قاعِكَ حربٌ لن تزولا
تخلقُ الأسماكَ لكنْ تخلقُ الحوتَ الأكولا
قد جمعتَ الموتَ في صدركَ والعيشَ الجميلا
ليتَ شعري أنتَ مهدٌ أم ضريحٌ؟
لست أدري
قيل لي في الدير قومٌ أدركوا سرَّ الحياةْ
غيرَ أني لم أجدْ غيرَ عقولٍ آسناتْ
وقلوبٍ بليتْ فيها المنى فهْيَ رفاتْ
ما أنا أعمى فهل غيريَ أعمى؟
لست أدري
قيلَ أدرى الناسِ بالأسرارِ سُكّانُ الصوامعْ
قلتُ إن صحَّ الذي قالوا فإنَّ السرَّ شائعْ
عجباً كيف ترى الشمسَ عيونٌ في براقعْ
والتي لم تتبرقعْ لا تراها
لست أدري
إن تكُ العزلةُ نُسكاً وتقىً فالذئبُ راهبْ
وعرينُ الليثِ دَيرٌ حُبُّه فرضٌ وواجبْ
ليت شعري أيميتُ النسكُ أم يُحيي المواهبْ؟
كيفَ يمحو النسكُ إثماً وهْوَ إثمُ ؟
لست أدري
قد دخلتُ الديرَ أستنطقُ فيه الناسكينا
فإذا القومُ من الحيرةِ مثلي باهتونا
غلبَ اليأسُ عليهم فهُمُ مستسلمونا
وإذا بالبابِ مكتوبٌ عليه
لست أدري
ان يك الموت قصاصا ً اي ذنب للطهارة
واذا كان ثوابا ً ، اي فضل ٍ للدعارة
واذا كان وما فيه جزاءٌ او خسارة
فلمَ الاسماء اثم ٌ وصلاح ٌ
لست ادري
ايها القبر تكلم واخبريني يا رمام
هل طوى احلامك الموت وهل مات الغرام
من هو المائت من عام ومن مليون عام
ايصير الوقت في الارماس محوا ً
لست ادري
ان يك الموت رقاداً بعده صحوٌ جميل
فلماذا ليس يبقى صحونا هذا الجميل
ولماذا المرء لا يدري متى وقت الرحيل
ومتى ينكشف الستر فندري
لست ادري
ان يك الموت هجوعا يملأُ النفس سلاما
وانعتاقا لا اعتقالا وابتداءً لا ختاما
فلماذا اعشق النوم ولا اهوى الحمام
ولماذا تجزع الارواح منه
لست ادري
أوراء القبر بعد الموت بعث ونشور
فحياة فخلود ام فناءٌ فدثور
أكلام الناس صدقٌ ام كلام الناس زور
أصحيح ٌ ان بعض الناس يدري
لست ادري
ان اكن ابعث بعد الموت جثمانا وعقلا
اترى ابعث بعضا ام ترى ابعث كلا
اترى ابعث طفلا ام ترى ابعث كهلا
ثم هل اعرف بعد البعث ذاتي
لست ادري
يا صديقي لا تعللني بتمزيق الستور
بعدما اقضي فعقلي لا يبالي بالقشور
ان اكن في حالة الادراك لا ادري مصيري
كيف ادري بعدما افقد رشدي
لست ادري
انني جئتُ وامضي وانا لا اعلم ُ
أنا لغزٌ، وذهابي كمجيئي طلسمُ
والذي اوجد هذا اللغز لغزٌ مبهمُ
لا تجادل ..ذو الحجى من قال اني
لست ادري ......
مكانة القصيدة
احتلت «الطلاسم» مكانة مميزة في الشعر العربي الحديث لأنها نقلت السؤال الوجودي إلى لغة شعرية واضحة وموسيقية، وربطت بين الحيرة الفكرية والتجربة الإنسانية اليومية. كما أن صداها كان واسعًا إلى درجة ظهور نصوص لاحقة مثل «حل الطلاسم» التي جاءت محاورةً لها ومناقشةً لأفكارها.
نبذة عن الشاعر
إيليا أبو ماضي شاعر وصحفي عربي من شعراء المهجر، وُلد نحو 1890 وتوفي سنة 1957، وقد اشتهر بشعره الذي جمع بين وضوح العبارة وعمق الفكرة، وبمكانته البارزة في الأدب العربي المهجري. وتذكر بريتانيكا أن شعره حقق شعبية واسعة بفضل استعماله التعبيري للغة، وتمكنه من الأوزان العربية التقليدية، وارتباط أفكاره بالقارئ العربي المعاصر.
ولفهم هذه الرؤية بشكل أوسع يمكن الرجوع إلى المقال المحوري عن الشاعر:
إيليا أبو ماضي: شاعر التفاؤل الذي كان يرى الحزن بوضوح
خاتمة
تبقى «الطلاسم» من القصائد التي أحبها القراء لأنها تفتح أبواب السؤال بدل أن تغلقها، وتجعل من الحيرة تجربة شعرية كاملة لا مجرد نقص في المعرفة. ولهذا ظلت القصيدة واحدة من أهم نصوص إيليا أبو ماضي، وواحدة من العلامات البارزة في الشعر العربي الحديث ذي النزعة الوجودية.
إقرأ أيضاً:
- نص قصيدة ابتسم
- نص قصيدة كن بلسماً
- نص قصيدة أيها الشاكي

