نص قصيدة أحزان الشباب

الحزن بوصفه بداية الوعي

مقدمة

في قصيدة أحزان الشباب لا تقف نازك الملائكة عند حدود التعبير عن مشاعر الحزن بوصفها استجابة لحادثة أو تجربة محددة، بل تذهب إلى مستوى أعمق حيث يتحول الحزن إلى حالة وجودية شاملة، يعيشها الإنسان في لحظة انتقاله من البراءة إلى الوعي، ومن البساطة إلى التعقيد. فالشباب في هذا النص ليس مجرد مرحلة زمنية يمر بها الإنسان، بل هو لحظة اكتشاف مؤلمة، لحظة يدرك فيها الإنسان أن العالم ليس كما كان يتخيله، وأن الحياة لا تُبنى على اليقين بقدر ما تقوم على الأسئلة.

إن هذا الحزن الذي تكتبه نازك ليس حزنًا صاخبًا أو دراميًا، بل هو حزن هادئ، عميق، يتسلل إلى الداخل دون أن يعلن نفسه بشكل واضح، وكأنه جزء من نسيج النفس، لا يمكن فصله عنها بسهولة. ومن خلال هذا التصوير يصبح الحزن في القصيدة ليس مجرد شعور، بل طريقة في رؤية العالم، حيث يرى الإنسان الأشياء من زاوية مختلفة، زاوية تكشف له هشاشتها، وعدم ثباتها، وارتباطها الدائم بالزوال.

يمكنك قراءة الدراسة الأدبية الكاملة لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة أحزان الشباب – نازك الملائكة

نص القصيدة

يا هموم الشباب فيم تكونيـ
ـن أحرّ الهموم والأحزان ؟
أنت يا من يصوغك القدر الظا
لم ليلا على الوجود الفاني
فيم لا تعصرين إلا صبانا
حسبنا يا أحزان ما ذقناه
سوف يطوي شبابنا الزمن المسـ
ـرع والحلم ينطفي ويضيع
فاتركينا رحماك ننعم به الآ
ن لننسى ما في غد سيكون
قبل أن تخمد الأماني ويفنى
في الدياجي شبابنا المغبون
أينما أتجه فثمّة أحزا
ن أراها ووحشة ووجوم
كلّ شيء أراه يملأني حز
نا ويأسا من مبهجات الحياة
ومعاني الفناء ألمحها حو
لي في كل ما تراه عيوني
في دوّي الرياح في نغم الطيـ
ـر وفي ظلمة المساء الحزين
ورأيت القبور تحت يد الريـ
ـح وصوت الأمطار والأنواء
وإذا غنّت الحمامة في الوك
ر تبرّمت بالنشيد المثير
وإذا أقبل المساء ولفّ الـ
ـكون بالصمت والدجى والهموم
وحملت العود الكئيب إلى الوا
دي أغنّي شعري لضوء النجوم
كم شعوب غنّت له فمحاها
وهو ما يزال في ربيع صباه
نحن تحت الليل العميق ضيوف
وقريبا تدوسنا قدماه
أين أمضي يا ربّ أم كيف أنجو
من قيود الفناء والأيّام ؟
ضاق بي العالم الفسيح فيا للـ
ـهول أين المفرّ من آلامي ؟
ويبيع الحياة بالمتع الحم
قاء والإثم والأذى والغرور
ويرى اللهو في الحياة أمانيـ
ـه ويدعو الخيال والشعر حمقا
ولأعش في ظلال وحدتي الخر
ساء أبكي ولا مصيخ إلّيا
لا فؤاد ابثه المي المرّ
ولا خافق يحن علّيا
وعبرت الحياة كالشبح الضلـ
ـيل في غيهب الوجود الفاني
يا ظلال الشباب فابقى إذا شئـ
ـت معي أو فاسرعي بالرحيل
سوف أبني إذا رحلت شبابا
لفؤادي أعيش تحت سمائه
من رحيق الخيال والشعر والأن
غام أسقي الزهور في أرجائه
فليضع عمري الحزين كما شا
ء فعندي من الشعور حياة
فإذا أدبر الشباب وآويـ
ـت لظلّ المشيب والأسقام
ثم ماذا ؟ من قال إنّي سأبقى
في الوجود الحزين يا آمالي
كيف أدري أنّي سألبث فيه
ربما متّ في صباي الحالي
قبل أن أسمع الحياة أناشيـ
ـد ي ويصغي سمع الوجود إليّا
ربّما .. لست أعلم الآن شيئا
فلأعش في انتظار ما سيكون
ولتجىء بعدها المنايا كما تر
جو فما في الوجود ما يغريني
لست ألقى فيه حياة أغنّي
ها فيا بؤس عمري المغبون
أو لم أرض عزلتي في ظلال الشـ
ـعر والعود والخيال الطهور
فإذا ما أتممت لحني كما أهـ
ـوى فماذا أريده من حياتي ؟
سوف ألقى الموت المحّبب روحا
شاعريا يحبّ صمت التراب
وفؤادا يرى الممات شبابا
للمنى والشعور أيّ شباب
وعزائي أنّي تركت ورائي
لحني السرمديّ ملء الوجود
لست وحدي التي تموت وما زا
لت شبابا لم تسقه الأنداء
أذبلت عمرهم يد القدر الجا
ني وكانوا نشيد هذي الحياة
يسكبون الشباب والحبّ والأح
لام لحنا مرقرق النغمات
وإذا عاصف المنايا المدوّي
يتعالى على لحون الغناء
يا يد الموت فيم كان نصيب الشـ
ـاعر الفذّ منك هذا التجنّي ؟
ألكي تكتبي الخلود لذكرا
ه على الأرض وهو غضّ يافع ؟
أم لكي تنقذيه من شجن العز
لة والفكر والأسى والمدامع ؟
فتضّمين للدجى والمنايا
كلّ شاد في الأرض أو عبقريّ
أم ترى سنّة الوجود ترى ما
ليس يدري الأحياء أو يدركونا
وسواء على المقادير موت الشـ
ـاعر الفذّ في الصبا أو حياته
فهو جسم على الثرى بشريّ
ضيّعته أحلامه وشكاته
وإذا عاش ما يشاء فما للـ
ـموت في عمره الطويل يدان
نبئيني أهكذا الأمر يا أقـ
ـدار أم ضللت في أفكاري
ليس تعنيه هذه الزهرة الحلـ
ـوة ما دام في يديه سواها
وهو يجني منهنّ ما هو دان
منه ما دمن في الشّذى أشباها
أكذا تتركين حكمك للصد
فة ؟ يا للشقاء والتنكيد
كلّ حيّ منا إذن ليس يدري
ما سيلقى في يومه من شقاء
فهو يحيا على شفا الألم الرا
ئع منذ الشروق حتى المغيب
كلّ يوم يقول : حان رحيلي
يا لهذا العمر الشقيّ الكئيب
حين ينجو الحيّ الشقيّ من الخو
ف ويفنى في داجيات الفناء
تاركا هذه الحياة وما في
ها من الزيف والأسى والظلام
لست وحدي التي تموت وما زا
لت شبابا لم تسقه الأنداء
تعست هذه الحياة فكم قد
مات في ميعة الصبا شعراء
أذبلت عمرهم يد القدر الجا
ني وكانوا نشيد هذي الحياة
يسكبون الشباب والحبّ والأحـ
ـلام لحنا مرقرق النغمات
ويضيعون عمرهم وصباهم
ليصوغوا الحياة لحن صفاء
وإذا عاصف المنايا المدوّي
يتعالى على لحون الغناء
يا يد الموت فيم كان نصيب الشـ
ـاعر الفذّ منك هذا التجنّي ؟
فيم لا تطفئين إلا مناه ؟
وهو في ميعة الشباب الأغنّ ؟
ألكي تكتبي الخلود لذكرا
ه على الأرض وهو غضّ يافع ؟
أم لكي تنقذيه من شجن العز
لة والفكر والأسى والمدامع ؟
أم ترى تبخلين بالنغم العذ
ب على العالم الأثيم الشقيّ
فتضّمين للدجى والمنايا
كلّ شاد في الأرض أو عبقريّ
أم ترى سنّة الوجود ترى ما
ليس يدري الأحياء أو يدركونا
فهي تسري كما تشاء المقادي
ر وتصمي شبابنا المطعونا
وسواء على المقادير موت الشـ
ـاعر الفذّ في الصبا أو حياته
فهو جسم على الثرى بشريّ
ضيّعته أحلامه وشكاته
فإذا مات في صباه فما اختا
رته كفّ المنون للأكفان
وإذا عاش ما يشاء فما للـ
ـموت في عمره الطويل يدان
نبئيني أهكذا الأمر يا أق
دار أم ضللت في أفكاري
أترانا كالزهر يقطفه الفلاّ
ح في الفجر شاردا غير دار ؟
ليس تعنيه هذه الزهرة الحلـ
ـوة ما دام في يديه سواها
وهو يجني منهنّ ما هو دان
منه ما دمن في الشّذى أشباها
أكذا يا أقدار ؟ ما أخيب المس
عى إذن في ظلام هذا الوجود
أكذا تتركين حكمك للصد
فة ؟ يا للشقاء والتنكيد
كلّ حيّ منا إذن ليس يدري
ما سيلقى في يومه من شقاء
ربما كانت المنّية في أوّ
ل ساع النهار أو في المساء
فهو يحيا على شفا الألم الرا
ئع منذ الشروق حتى المغيب
كلّ يوم يقول : حان رحيلي
يا لهذا العمر الشقيّ الكئيب
أفليس الممات في ميعة العمـ
ـر إذن نعمة على الأحياء
حين ينجو الحيّ الشقيّ من الخو
ف ويفنى في داجيات الفناء
تاركا هذه الحياة وما في
ها من الزيف والأسى والظلام
بين كفّ الرياح والقدر العا
تي ونوح الشيوخ والأيتام

قراءة في النص: الحزن كاكتشاف

في هذا النص لا يظهر الحزن بوصفه نتيجة مباشرة لحدث خارجي، بل بوصفه اكتشافًا داخليًا، حيث يبدأ الإنسان في إدراك أبعاد جديدة للحياة لم يكن يراها من قبل. فالحزن هنا ليس شيئًا يحدث للإنسان، بل شيئًا يكتشفه في نفسه، وكأنه كان موجودًا منذ البداية لكنه لم يكن واعيًا به.

هذا التحول في فهم الحزن هو ما يمنح القصيدة قوتها، لأنه يجعلها قريبة من التجربة الإنسانية العميقة، حيث لا يكون الألم دائمًا نتيجة، بل أحيانًا بداية لفهم أعمق.

بين الطريق والتيه

تظهر في القصيدة صورة الطريق، لكنها ليست طريقًا واضحًا يقود إلى هدف محدد، بل طريق غامض، يفتقد الاتجاه، وكأن الشاعر يريد أن يعكس حالة التيه التي يعيشها الإنسان في هذه المرحلة. فالمسير هنا لا يعني الوصول، بل الاستمرار في البحث، حتى دون وضوح الوجهة.

وهذا المعنى يمنح النص بعدًا وجوديًا، حيث يصبح التيه جزءًا من التجربة، لا خللًا فيها.

الصمت الداخلي

من السمات اللافتة في هذه القصيدة أن الحزن لا يُعبَّر عنه بالصراخ، بل بالصمت، وكأن الشاعرة تترك المساحة للقارئ ليشعر بدلًا من أن يسمع. وهذا الصمت هو ما يجعل النص أكثر تأثيرًا، لأنه يفتح باب التأمل.

عن الشاعرة

تُعد نازك الملائكة من أبرز رواد الشعر الحر في العالم العربي، وقد تميزت بقدرتها على التعبير عن القلق الوجودي بلغة شفافة وعميقة في آن واحد.

كما يمكنك التعرف على الشاعرة بشكل أعمق من خلال هذا المقال:
نازك الملائكة: حياتها وشعرها وأثرها في الشعر العربي الحديث

قصائد أخرى لنازك الملائكة

نص قصيدة أنشودة السلام

نص قصيدة البحث عن السعادة

نص قصيدة مأساة الشاعر

نص قصيدة على تل الرمال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *