نص قصيدة ولد الهدى فالكائنات ضياء

من أجمل قصائد المديح النبوي في الشعر العربي

مقدمة

تُعد قصيدة «ولد الهدى فالكائنات ضياء» من أشهر قصائد أحمد شوقي في المديح النبوي، وهي قصيدة ارتبطت في الوجدان العربي والإسلامي بذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لما تحمله من لغة عالية، وصور مضيئة، وعاطفة دينية صادقة. وقد استطاع شوقي في هذه القصيدة أن يجعل ميلاد النبي حدثًا كونيًا واسعًا، لا يخص زمنًا واحدًا أو مكانًا واحدًا، بل يملأ الوجود كله بالنور والبشرى والثناء.

تبدأ القصيدة بمطلع شهير صار من أكثر الأبيات تداولًا في مناسبات المولد النبوي، حيث يقول شوقي: «ولد الهدى فالكائنات ضياء»، وفي هذا التعبير لا يذكر الشاعر النبي باسمه مباشرة، بل يسميه الهدى، وكأنه يجعل شخصه الكريم رمزًا للهداية كلها، ومصدرًا للنور الذي بدد ظلمات الجاهلية، وفتح للإنسان باب الرحمة والإيمان والأخلاق. ومن هنا تأتي قيمة القصيدة؛ فهي ليست مجرد مدح جميل، بل تصوير شعري عميق لمكانة النبي في التاريخ والروح والوجدان.

يمكنك قراءة الدراسة الأدبية الكاملة لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة ولد الهدى فالكائنات ضياء – أحمد شوقي

نص القصيدة

وُلِـدَ الـهُـدى فَـالكائِناتُ ضِياءُ
وَفَـمُ الـزَمـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَناءُ
الـروحُ وَالـمَـلَأُ الـمَلائِكُ حَولَهُ
لِـلـديـنِ وَالـدُنـيـا بِهِ بُشَراءُ
وَالـعَـرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي
وَالـمُـنـتَـهى وَالسِدرَةُ العَصماءُ
وَحَـديـقَـةُ الفُرقانِ ضاحِكَةُ الرُبا
بِـالـتُـرجُـمـ انِ شَـذِيَّةٌ غَنّاءُ
وَالـوَحيُ يَقطُرُ سَلسَلاً مِن سَلسَلٍ
وَالـلَـوحُ وَالـقَـلَـمُ البَديعُ رُواءُ
نُـظِمَت أَسامي الرُسلِ فَهيَ صَحيفَةٌ
فـي الـلَـوحِ وَاِسمُ مُحَمَّدٍ طُغَراءُ
اِسـمُ الـجَـلالَةِ في بَديعِ حُروفِهِ
أَلِـفٌ هُـنـالِـكَ وَاِسمُ طَهَ الباءُ
يـا خَـيـرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً
مِـن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا
بَـيـتُ الـنَـبِـيّينَ الَّذي لا يَلتَقي
إِلّا الـحَـنـائِـفُ فـيهِ وَالحُنَفاءُ
خَـيـرُ الأُبُـوَّةِ حـازَهُـم لَكَ آدَمٌ
دونَ الأَنــامِ وَأَحــرَزَت حَـوّاءُ
هُـم أَدرَكـوا عِـزَّ النُبُوَّةِ وَاِنتَهَت
فـيـهـا إِلَـيـكَ الـعِزَّةُ القَعساءُ
خُـلِـقَـت لِبَيتِكَ وَهوَ مَخلوقٌ لَها
إِنَّ الـعَـظـائِـمَ كُفؤُها العُظَماءُ
بِـكَ بَـشَّـرَ الـلَهُ السَماءَ فَزُيِّنَت
وَتَـضَـوَّعَـت مِـسكاً بِكَ الغَبراءُ
وَبَـدا مُـحَـيّـاكَ الَّـذي قَسَماتُهُ
حَـقٌّ وَغُـرَّتُـهُ هُـدىً وَحَـيـاءُ
وَعَـلَـيـهِ مِـن نورِ النُبُوَّةِ رَونَقٌ
وَمِـنَ الـخَـلـيلِ وَهَديِهِ سيماءُ
أَثـنـى المَسيحُ عَلَيهِ خَلفَ سَمائِهِ
وَتَـهَـلَّـلَـت وَاِهـتَـزَّتِ العَذراءُ
يَـومٌ يَـتـيهُ عَلى الزَمانِ صَباحُهُ
وَمَـسـاؤُهُ بِـمُـحَـمَّـدٍ وَضّاءُ
الـحَـقُّ عـالي الرُكنِ فيهِ مُظَفَّرٌ
فـي الـمُـلـكِ لا يَعلو عَلَيهِ لِواءُ
ذُعِـرَت عُروشُ الظالِمينَ فَزُلزِلَت
وَعَـلَـت عَـلـى تيجانِهِم أَصداءُ
وَالـنـارُ خـاوِيَةُ الجَوانِبِ حَولَهُم
خَـمَـدَت ذَوائِـبُها وَغاضَ الماءُ
وَالآيُ تَـتـرى وَالـخَـوارِقُ جَمَّةٌ
جِــبـريـلُ رَوّاحٌ بِـهـا غَـدّاءُ
نِـعـمَ الـيَـتيمُ بَدَت مَخايِلُ فَضلِهِ
وَالـيُـتـمُ رِزقٌ بَـعـضُهُ وَذَكاءُ
فـي الـمَهدِ يُستَسقى الحَيا بِرَجائِهِ
وَبِـقَـصـدِهِ تُـسـتَـدفَعُ البَأساءُ
بِسِوى الأَمانَةِ في الصِبا وَالصِدقِ لَم
يَـعـرِفـهُ أَهـلُ الصِدقِ وَالأُمَناءُ
يـا مَن لَهُ الأَخلاقُ ما تَهوى العُلا
مِـنـهـا وَمـا يَـتَعَشَّقُ الكُبَراءُ
لَـو لَـم تُـقِـم ديناً لَقامَت وَحدَها
ديـنـاً تُـضـيءُ بِـنـورِهِ الآناءُ
زانَـتـكَ في الخُلُقِ العَظيمِ شَمائِلٌ
يُـغـرى بِـهِـنَّ وَيـولَعُ الكُرَماءُ
أَمّـا الـجَمالُ فَأَنتَ شَمسُ سَمائِهِ
وَمَـلاحَـةُ الـصِـدّيـقِ مِنكَ أَياءُ
وَالـحُـسنُ مِن كَرَمِ الوُجوهِ وَخَيرُهُ
مـا أوتِـيَ الـقُـوّادُ وَالـزُعَماءُ
فَـإِذا سَـخَوتَ بَلَغتَ بِالجودِ المَدى
وَفَـعَـلـتَ مـا لا تَـفعَلُ الأَنواءُ
وَإِذا عَـفَـوتَ فَـقـادِراً وَمُـقَدَّراً
لا يَـسـتَـهـيـنُ بِعَفوِكَ الجُهَلاءُ
وَإِذا رَحِــمـتَ فَـأَنـتَ أُمٌّ أَو أَبٌ
هَـذانِ فـي الـدُنيا هُما الرُحَماءُ
وَإِذا غَـضِـبـتَ فَإِنَّما هِيَ غَضبَةٌ
فـي الـحَـقِّ لا ضِغنٌ وَلا بَغضاءُ
وَإِذا رَضـيـتَ فَـذاكَ في مَرضاتِهِ
وَرِضـى الـكَـثـيـرِ تَحَلُّمٌ وَرِياءُ
وَإِذا خَـطَـبـتَ فَـلِـلمَنابِرِ هِزَّةٌ
تَـعـرو الـنَـدِيَّ وَلِـلقُلوبِ بُكاءُ
وَإِذا قَـضَـيـتَ فَـلا اِرتِيابَ كَأَنَّما
جـاءَ الـخُصومَ مِنَ السَماءِ قَضاءُ
وَإِذا حَـمَـيـتَ الماءَ لَم يورَد وَلَو
أَنَّ الـقَـيـاصِـرَ وَالمُلوكَ ظِماءُ
وَإِذا أَجَـرتَ فَـأَنـتَ بَـيتُ اللَهِ لَم
يَـدخُـل عَـلَـيهِ المُستَجيرَ عَداءُ
وَإِذا مَـلَـكـتَ النَفسَ قُمتَ بِبِرِّها
وَلَـوَ اَنَّ مـا مَـلَكَت يَداكَ الشاءُ
وَإِذا بَـنَـيـتَ فَـخَيرُ زَوجٍ عِشرَةً
وَإِذا اِبـتَـنَـيـتَ فَـدونَـكَ الآباءُ
وَإِذا صَـحِـبتَ رَأى الوَفاءَ مُجَسَّماً
فـي بُـردِكَ الأَصـحابُ وَالخُلَطاءُ
وَإِذا أَخَـذتَ الـعَـهـدَ أَو أَعطَيتَهُ
فَـجَـمـيـعُ عَـهدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفاءُ
وَإِذا مَـشَـيـتَ إِلى العِدا فَغَضَنفَرٌ
وَإِذا جَـرَيـتَ فَـإِنَّـكَ الـنَـكباءُ
وَتَـمُـدُّ حِـلـمَـكَ لِلسَفيهِ مُدارِياً
حَـتّـى يَـضيقَ بِعَرضِكَ السُفَهاءُ
فـي كُـلِّ نَـفسٍ مِن سُطاكَ مَهابَةٌ
وَلِـكُـلِّ نَـفـسٍ فـي نَداكَ رَجاءُ

فكرة القصيدة بإيجاز

تعبر القصيدة عن الاحتفاء بميلاد النبي محمد ﷺ، حيث يصور الشاعر هذه اللحظة وكأنها لحظة إشراق كوني أضاءت العالم بالهداية والنور. ومن خلال هذا التصوير يؤكد أحمد شوقي أن الرسالة النبوية كانت بداية مرحلة جديدة في تاريخ الإنسانية.

هذا المقتطف يكشف طبيعة القصيدة منذ بدايتها؛ فهي قائمة على صورة النور والبهجة الكونية، حيث لا يظهر مولد النبي صلى الله عليه وسلم كحدث بشري عادي، بل كتحول عظيم تشارك فيه الكائنات والملائكة والزمان والسماء والأرض. ويبدو شوقي في هذه الأبيات كأنه يرسم لوحة احتفالية كبرى، يجعل فيها الوجود كله يستقبل ميلاد النبي بالضياء والثناء والبشرى.

نبذة قصيرة عن الشاعر أحمد شوقي

أحمد شوقي شاعر مصري كبير، وواحد من أبرز شعراء العربية في العصر الحديث، وُلد سنة 1868م وتوفي سنة 1932م، واشتهر بلقب أمير الشعراء بعد أن بلغ شعره مكانة رفيعة في اللغة العربية، وجمع بين قوة الأسلوب، وجمال الموسيقى، وثراء الخيال، وتنوع الموضوعات. كتب شوقي في الشعر الوطني، والمديح، والرثاء، والغزل، والحكمة، والشعر المسرحي، كما كان له حضور بارز في إحياء القصيدة العربية الكلاسيكية وتجديد موضوعاتها في العصر الحديث.

وقد احتل المديح النبوي مكانة مهمة في شعر شوقي، إذ كتب قصائد خالدة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم والثناء على أخلاقه ورسالته، ومن أشهرها قصيدة «ولد الهدى فالكائنات ضياء» وقصيدة «نهج البردة». ويتميّز مديحه النبوي بأنه لا يقتصر على العاطفة الدينية وحدها، بل يجمع بين المحبة الصادقة، والتصوير الفني الرفيع، والرؤية الحضارية التي ترى في الرسالة المحمدية نورًا أخلاقيًا وروحيًا غيّر وجه التاريخ.

يمكنك قراءة المقال الكامل عن الشاعر هنا:
أحمد شوقي: أمير الشعراء في الأدب العربي الحديث

خاتمة

تبقى قصيدة «ولد الهدى فالكائنات ضياء» من أجمل ما قاله أحمد شوقي في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها استطاعت أن تجعل من المولد النبوي مشهدًا شعريًا مضيئًا، تتداخل فيه السماء بالأرض، والزمان بالفرح، والكائنات بالثناء. وقد ظل مطلعها حاضرًا في الذاكرة العربية لما يحمله من جمال وقوة وتأثير، فهو لا يصف مولد النبي فحسب، بل يصوغ معنى الهداية في صورة نور يعمّ الوجود كله.

قصائد أخرى لأحمد شوقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *