نص قصيدة مدينة بلا مطر

قصيدة الجفاف الرمزي في الشعر العربي الحديث

مقدمة

تُعد قصيدة «مدينة بلا مطر» من قصائد بدر شاكر السياب التي تقوم على رمز شديد الكثافة، هو غياب المطر. فإذا كان المطر في شعر السياب غالبًا علامة على الخصب والحياة والبعث، فإن غيابه في هذه القصيدة يتحول إلى علامة على القحط والاختناق والفراغ الداخلي. فالمدينة هنا لا تبدو مجرد مكان حُرم من المطر الطبيعي، بل تبدو كأنها مدينة حُرمت من الرحمة والدفء والتجدد، وصارت تعيش في زمن يابس لا يروي الأرض ولا الروح.

وتكتسب القصيدة أهميتها لأنها تقف في الجهة المقابلة لعالم «أنشودة المطر»؛ فهناك كان المطر حاضرًا بوصفه نشيدًا للخلاص، أما هنا فإن المدينة تعيش في ظل الغياب، وكأن الشاعر يريد أن يصور ما يحدث للعالم حين ينقطع عنه مصدر الحياة. وقد ورد نص القصيدة في مصادر شعرية عربية بمطلعها المعروف: «مدينتنا تؤرّق ليلها نار بلا لهب».

يمكنك قراءة الدراسة الأدبية الكاملة لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة مدينة بلا مطر – بدر شاكر السياب

نص القصيدة

مدينتنا تؤرّق ليلها نار بلا لهب
تحمّ دروبها و الدّور ثم تزول حمّاها
و يصبغها الغروب بكل ما حملته من سحب
فتوشك أن تطير شرارة و يهب موتاها
صحا من نومه الطينيّ تحت عرائش العنب
صحا تموز عاد لبابل الخضراء يرعاها
و توشك أن تدق طبول بابل ثم يغشاها
صفير الريح في أبراجها و أنين مرضاها
و في غرفات عشتار
تظل مجامر الفخار خاوية بلا نار
و يرتفع الدعاء كأن كل حناجر القصب
من المستنقعات تصيح
لاهثة من التعب
تؤوب ألهة الدم خبز بابل شمس آذار
و نحن نهيم كالغرباء من دار إلى دار
لنسأل عن هداياها
جياع نحن و اأسفاه فارغتان كفّاها
و قاسيتان عيناها
و باردتان كالذهب
سحائب مرعدات مبرقات دون إمطار
قضينا العام بعد العام بعد العام نرعاها
وريح تشبه الإعصار لا مرّت كإعصار
و لا هدأت ننام و نستفيق و نحن نخشاها
فيا أربابنا المتطلعين بغير ما رحمة
عيونكم الحجار نحسّها تنداح في العتمة
لترجمنا بلا نقمة
تدور كأنهن رحى بطيئات تلوك جفوننا
حتى ألفناها
عيونكم الحجار كأنّها لبنات أسوار
بأيدينا بما لا تفعل الأيدي بنيناها
عذارانا حزاني ذاهلات حول عشتار
يغيض الماء شيئا بعد شيء من محيّاها
و غصنا بعد غصن تذبل الكرمة
بطيء موتنا المنسلّ بين النور و الظلمة
له الويلات من أسد نكابد شدقه الأدرد
أنار البرق في عينيه أم من شعلة المعبد
أفي عينيه مبخرتان أوجرتا لعشتار
أنافذتان من ملكوت ذاك العالم الأسود
هنالك حيث يحمل كل عام جرحة الناريّ
جرح العالم الدوار فاديه
و منقذه الذي في كل عام من هناك يعود بالأزهار
و الأمطار تجرحنا يداه لنستفيق على أياديه
و لكن مرّت الأعوام كثرا ما حسبناها
بلا مطر و لو قطرة
و لا زهر و لو زهرة
بلا ثمر كأنّ نخيلنا الجرداء أنصاب أقمناها
لنذبل تحتها و نموت
سيدنا جفانا آه يا قبره
أما في قاعك الطيني من جرّة
أما فيها بقايا من دماء الرب أو بذره
حدائقه الصغيرة أمس جعنا فافترسناها
سرقنا من بيوت النمل من أجرانها دخنا و شوفانا
و أوشابا زرعناها
فوفّينا و ما وفى لنا نذره
و سار صغار بابل يحملون سلال صبّار
و فاكهة من الفخّار قربانا لعشتار
و يشعل خاطف البرق
بظل من ظلال الماء و الخضراء و النار
و جوههم المدوّرة الصغيرة و هي تستسقي
فيوشك أن يفتّح و هي تومض حقل نوار
ورفّ كأنّ ألف فراشة نثرت على الأفق
نشيدهم الصغير
قبور إخوتنا تنادينا
و تبحث عنك أيدينا
لأن الخوف ملء قلوبنا و رياح آذار
تهز مهودنا فنخاف و الأصوات تدعونا
جياع نحن مرتجفون في الظلمة
و نبحث عن يد في الليل تطعمنا تغطّينا
نشد عيوننا المتلفقات بزندها العاري
و نبحث عنك في الظلماء عن ثديين عن حلمة
فيا من صدرها الأفق الكبير و ثديها الغيمة
سمعت نشيجنا ورأيت كيف نموت فاسقينا
نموت وأنت _وا أسفاه_ قاسيةٌ بلا رحمةْ
فيا آباءنا من يفتدينا من سيحيينا
و من سيموت يُولمُ لَحمه فينا
و أبرقت السماء كأن زنبقة من النار
تفتح فوق بابل نفسها و أضاء وادينا
و غلغل في قرارة أرضنا
وهج فعرّاها
بكل بذورها وجذورها وبكل موتاها
وسحّ وراء مارفعته بابل حول حماها
وحول ترابها الظمآن من عمد وأسوار
سحاب لولا هذه الأسوار رواها
وفي أبد من الإصغاء بين الرعد والرعد
سمعنا لاحفيف النخل تحت العارض السحّاح
أو ماوشوشته الريح حيث ابتلت الأدواح
ولكن خفقة الأقدام والأيدي
وكركرة وآه صغيرة قبضت بيمناها
على قمر يرفرف كالفراشة ، أو على نجمة
على هبة من الغيم
على رعشات ماء قطرت همست بها نسمة
لنعلم أن بابل سوف تغسل من خطاياها

فكرة القصيدة بإيجاز

تعبر القصيدة عن حالة من الجفاف الرمزي في حياة المدينة الحديثة، حيث يستخدم السياب صورة غياب المطر ليعكس شعور الإنسان بالفراغ والانتظار في عالم فقد جزءًا من حيويته الروحية.

نبذة قصيرة عن الشاعر بدر شاكر السياب

بدر شاكر السياب شاعر عراقي كبير، وُلد في قرية جيكور قرب البصرة سنة 1926م، وتوفي سنة 1964م، ويُعد واحدًا من أبرز مؤسسي الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة في الأدب العربي الحديث. وقد ارتبط اسمه بتجديد بنية القصيدة العربية، لا من حيث الشكل فقط، بل من حيث الرؤية والرمز واللغة والصورة الشعرية.

تميّز شعر السياب بحضور كثيف للمطر، والنخيل، والقرية، والأم، والغربة، والمرض، والأسطورة، والموت والبعث. وكانت جيكور في شعره أكثر من قرية؛ كانت ذاكرة أولى وفردوسًا مفقودًا، في مقابل المدينة التي كثيرًا ما ظهرت عنده بوصفها مكانًا للاغتراب والجفاف والضياع. ومن هنا يمكن فهم قصيدة «مدينة بلا مطر» بوصفها امتدادًا لهذا الصراع بين المكان الحميم والمكان القاسي، وبين الطبيعة الحية والمدينة الموحشة.

يمكنك قراءة المقال الكامل عن الشاعر هنا:
بدر شاكر السياب: رائد الشعر الحر في الأدب العربي

خاتمة قصيرة

تبقى قصيدة «مدينة بلا مطر» من النصوص التي تكشف عمق الرمز في شعر بدر شاكر السياب، فهي لا تتحدث عن مدينة محرومة من المطر فقط، بل عن عالم فقد قدرته على التجدد. وفي هذه القصيدة يتحول غياب المطر إلى صورة للروح حين تيبس، وللمدينة حين تفقد إنسانيتها، وللحياة حين تنتظر خلاصًا لا يأتي. ولهذا تبدو القصيدة قريبة من عالم السياب كله؛ عالم يبحث دائمًا عن مطر يوقظ الأرض، ويغسل الحزن، ويعيد للإنسان شيئًا من أمله الضائع.

قصائد أخرى لبدر شاكر السياب

        اترك تعليقاً

        لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *