قصيدة هذه الموجة

الإنسان بين التيار والاختيار

حين تتحول الطبيعة إلى لغة داخلية

تُعد قصيدة «هذه الموجة» لإدريس جماع من القصائد التي تكشف وجهًا مختلفًا من تجربته الشعرية، فهي لا تنتمي إلى عالم الغزل الرقيق وحده، ولا تقف عند حدود الحنين العاطفي الذي رأيناه في قصائد مثل «أعلى الجمال تغار منّا» و**«في ربيع الحب»**، بل تفتح بابًا على شعر جماع الوطني والإنساني، حيث تتحول الصورة الطبيعية، صورة الموجة، إلى رمز للحركة الشعبية والاندفاع الجماعي والنهضة التي لا تقف أمامها قوى الذل والركود. وقد ورد نص القصيدة في مصادر شعرية بمطلعها الذي يبدأ بـ «هذه الموجة من هذا الخضم»، مما يجعل الرمز المائي حاضرًا منذ السطر الأول بوصفه مفتاحًا للقصيدة كلها.

وإذا كانت الموجة في ظاهرها جزءًا من البحر، فإنها في القصيدة تتجاوز معناها الطبيعي لتصبح حركة في التاريخ، ودفعة من دفعات الشعوب، وقوة جماعية تخرج من الخضم الكبير لتكتسح ما علق بالحياة من ذل ورمم. فالشاعر لا يتأمل موجة هادئة على الشاطئ، ولا يصف جمال الماء كما يفعل شعراء الطبيعة عادة، بل ينظر إلى الموجة بوصفها طاقة تغيير، وكأنها صورة لانتفاضة داخلية أو صحوة وطنية أو حركة شعبية عارمة. ومن هنا تقترب القصيدة من الشعر الوطني، لأن الموجة ليست ماءً فقط، بل قوة نهوض، ومشهد انبعاث، وصوت جماعي يتحرك وسط الأمم.

وتدل القصيدة كذلك على اتساع عالم إدريس جماع، فهو ليس شاعر الحب والجمال فحسب، بل شاعر امتلك حسًا وطنيًا واضحًا، وقد عُرف له عدد من القصائد التي تتصل بالسودان والحرية والنضال، مثل الإشارة إلى قصيدته «هذه الموجة» وقصائد وطنية أخرى في بعض المواد التعريفية عنه. لذلك فإن قراءة هذه القصيدة تساعد على إخراج جماع من الصورة الضيقة التي تحصره في الغزل والحزن وحدهما، وتعيد تقديمه شاعرًا يرى الحب والجمال والوطن والحرية ضمن أفق وجداني واحد، وإن اختلفت اللغة والصورة من قصيدة إلى أخرى.

دلالة العنوان

الموجة بوصفها حركة لا سكونًا

يحمل عنوان القصيدة «هذه الموجة» دلالة مباشرة وقوية. فالشاعر لا يقول «الموج» بصيغة عامة، ولا «البحر» بوصفه فضاءً واسعًا، بل يحدد: هذه الموجة. وهذا التحديد يمنح الرمز حضورًا ملموسًا، كأن الشاعر يشير إلى حركة بعينها، أو لحظة تاريخية محددة، أو اندفاعة جماعية يراها أمامه ويطلب من القارئ أن ينتبه إليها. إنها ليست موجة منسية في بحر بعيد، بل موجة حاضرة، قائمة، مشهودة، تستحق أن تُسمّى وأن تُقرأ.

والموجة في طبيعتها لا تعرف الثبات؛ فهي حركة مستمرة، تولد من الخضم، ترتفع، تمتد، تصطدم، وتترك أثرها. لذلك فهي رمز مناسب لكل حركة تغييرية أو نهضوية، لأن التغيير لا يولد عادة في السكون، بل في الاندفاع والتراكم. والموجة لا تكون قوية وحدها إلا لأنها جزء من بحر أوسع، وكذلك الحركة الوطنية أو الجماعية لا تنبع من فرد منفصل، بل من خضم الناس، ومن تراكم الغضب والأمل والوعي.

واختيار الشاعر لكلمة الموجة بدلًا من كلمة مثل «الثورة» أو «النهضة» يمنح النص قوة شعرية أكبر. فالموجة صورة حية محسوسة، يمكن للقارئ أن يراها ويسمع هديرها، بينما الكلمات المجردة قد تفقد شيئًا من أثرها إذا قيلت مباشرة. إدريس جماع هنا لا يخطب، بل يصور. ومن خلال الصورة يصل إلى المعنى الوطني والاجتماعي دون أن يفرط في المباشرة.

يمكنك قراءة النص الكامل لهذه القصيدة هنا:
نص قصيدة هذه الموجة – إدريس جماع

الخضم الكبير

من الفرد إلى الجماعة

يبدأ النص من علاقة الموجة بالخضم؛ فالموجة ليست منفصلة، بل خارجة من بحر واسع. وهذا المعنى مهم جدًا، لأن القصيدة لا تحتفي بالفرد المعزول، بل بالجماعة. فكل موجة تحمل قوة البحر الذي أنتجها، وكل حركة تاريخية تحمل قوة الناس الذين صنعوها. وإذا كان الشاعر قد كتب في قصائده العاطفية عن الذات المحبة والروح المعذبة، فإنه هنا يكتب عن الذات وهي تندمج في المجموع، وعن الموجة التي لا تُفهم إلا بالرجوع إلى الخضم.

الخضم في القصيدة يمكن أن يرمز إلى الشعب، أو الأمة، أو التاريخ، أو العالم المتحرك بين الأمم. والعبارة التي يوردها النص عن كون الموجة من هذا الخضم تجعلنا أمام تصور ديناميكي للحياة: لا شيء يولد من فراغ، وكل حركة كبيرة لها عمق سابق. الموجة على السطح، لكن وراءها بحر كامل من الطاقة والحركة والضغط.

ومن هنا يمكن قراءة القصيدة بوصفها احتفاءً بالوعي الجماعي. فالشاعر لا يقول إن البطل الفرد هو الذي يغير العالم، بل يجعل التغيير موجة خارجة من الخضم. وهذا المعنى شديد الأهمية في الشعر الوطني؛ لأن الأمم لا تنهض بمشاعر فردية مبعثرة، بل حين تتحول تلك المشاعر إلى موجة واحدة، وإلى تيار جارٍ لا يمكن تجاهله.

الفيضان والامتلاء

صورة القوة الزاخرة

تصف القصيدة هذه الموجة بأنها فيضان زاخر بين الأمم، وهذه الصورة توسع المعنى من موجة محدودة إلى فيضان شامل. فالفيضان لا يشير إلى حركة صغيرة، بل إلى امتلاء يتجاوز الحدود، وإلى قوة لا تبقى حبيسة مجراها القديم. وهذا التعبير يجعل القصيدة مشحونة بروح الانفجار والانطلاق، كأن الشاعر يرى أن ما يحدث أكبر من أن يُحصر في نطاق ضيق.

والفيضان في الشعر يمكن أن يكون مخيفًا أو مدمّرًا، لكنه هنا يحمل دلالة تطهيرية وتحريرية. فهو لا يأتي ليغرق الحياة في العبث، بل ليكتسح الذل والرمم، كما يرد في النص. وهذا التفصيل يغيّر طبيعة الصورة؛ فالفيضان هنا ليس خرابًا، بل قوة تنظيف تاريخية، تزيل ما تراكم من مهانة وبقايا ميتة.

وكلمة زاخر تضيف إلى الصورة معنى الامتلاء والحيوية. نحن لسنا أمام ماء راكد، بل أمام طاقة فائضة. والقصيدة كلها تقوم على هذا المعنى: الحياة حين تمتلئ بالوعي والكرامة لا تبقى ساكنة، بل تفيض. والشعب حين يتراكم داخله الألم والأمل لا يظل صامتًا إلى الأبد، بل يخرج في موجة.

اكتساح الذل والرمم

من أقوى صور القصيدة صورة الموجة التي تكسح الذل وتجتاح الرمم. هذه العبارة تكشف البعد التحرري في النص. فالذل ليس حالة نفسية فردية فقط، بل وضع تاريخي واجتماعي وسياسي. والرمم ليست أجسادًا ميتة بالمعنى الحرفي فقط، بل قد ترمز إلى بقايا الماضي المتعفن، وإلى الهياكل القديمة التي فقدت الحياة لكنها لا تزال تعيق الحركة.

وهنا تبدو الموجة قوة أخلاقية. إنها لا تتحرك عبثًا، بل تتحرك ضد الذل. وهذا يجعلها رمزًا للكرامة. فالموجة التي تكتسح الذل ليست مجرد قوة طبيعية، بل طاقة إنسانية تريد أن تعيد للحياة نظافتها وارتفاعها. ومن هنا تتحول القصيدة إلى دعوة ضمنية للتحرر من كل ما يثقل الإنسان والجماعة.

أما الرمم، فهي كلمة قاسية في قصيدة ذات إيقاع وطني؛ لأنها تشير إلى أن هناك أشياء انتهت صلاحيتها، لكنها بقيت في الطريق. والشاعر يبدو كأنه يقول إن النهوض الحقيقي لا يكتفي برفع الشعارات، بل يجب أن يزيح بقايا الموت من الحياة: العادات الميتة، الخوف القديم، الذل المتوارث، وكل أشكال الركود التي تمنع الموجة من الوصول إلى مداها.

الصيحات والبركان

اللغة المتفجرة

في القصيدة ترتفع الصيحات كما يقذف البركان أشلاء الحمم، وفق ما يورده نص القصيدة المنشور. هذه الصورة تخرج النص من الماء إلى النار؛ فبعد الموجة والفيضان والخضم، يظهر البركان والحمم. وهذا الانتقال من الرمز المائي إلى الرمز الناري يمنح القصيدة قوة مزدوجة: ماء يكتسح، ونار تنفجر. وكأن الشاعر يريد أن يقول إن حركة الناس ليست ناعمة أو هادئة فقط، بل متفجرة أيضًا.

الصيحات هنا ليست أصواتًا عادية، بل أصوات خرجت من عمق الضغط. فالبركان لا ينفجر إلا بعد احتباس طويل، وكذلك الشعوب لا تصرخ بهذه القوة إلا بعد تراكم طويل من الألم. ومن خلال هذه الصورة، تتحول الصيحة إلى مادة ملتهبة، لا إلى صوت عابر. إنها صوت له حرارة، واندفاع، وخطورة.

والجمع بين الموجة والبركان يكشف أن القصيدة ليست وصفًا طبيعيًا، بل بناء رمزي. الشاعر يستعير من الطبيعة أكثر عناصرها حركة: الماء الهادر والنار المتفجرة. وبذلك يصنع صورة للثورة أو النهضة بوصفها قوة كونية، لا مجرد حدث عابر. فحين تتحرك الأمم حقًا، فإن حركتها تشبه البحر والبركان معًا.

من شعر الوجدان إلى شعر الوطن

تبدو هذه القصيدة مختلفة عن قصائد إدريس جماع العاطفية التي تقوم على الغزل والحنين والبعد. في «أعلى الجمال تغار منّا»، كان الجمال سماء بعيدة. وفي «في ربيع الحب»، كان الحب ربيعًا ضائعًا. وفي «شاء الهوى أم شئت أنت»، كان الفراق سؤالًا ووجعًا وانتظارًا. أما في «هذه الموجة»، فإن الشاعر يخرج من الوجدان الفردي إلى الوجدان الجماعي، ومن حزن العاشق إلى حركة الأمة.

لكن هذا الانتقال لا يعني أن القصيدة منفصلة عن حس جماع الوجداني. فحتى حين يكتب عن الوطن أو الجماعة، يظل لغته مشحونة بالعاطفة. إنه لا يكتب خطابًا سياسيًا جافًا، بل يصور الحركة الوطنية بصورة شعرية نابضة. الموجة ليست شعارًا، بل إحساس. والفيضان ليس مصطلحًا، بل مشهد. والصيحات ليست كلمات، بل انفجار داخلي.

وهذا ما يميز الشاعر الحقيقي حين يكتب عن القضايا العامة؛ لا يترك الشعر ويتحول إلى منشور، بل يجعل القضية نفسها تدخل في نسيج الصورة والإيقاع. إدريس جماع في هذه القصيدة لا يقول للقارئ: انهض، لكنه يريه الموجة وهي تنهض. لا يقول له: ارفض الذل، بل يصور الموجة وهي تكتسحه.

البعد الوطني في شعر إدريس جماع

رغم شهرة إدريس جماع بقصائد الغزل والرقة الوجدانية، فإن له حضورًا في الشعر الوطني، وقد تذكر بعض المصادر التعريفية عددًا من قصائده ذات الصلة بالسودان والاستقلال والحرية، ومنها «هذه الموجة» و«نضال لا ينتهي» و«السودان». وهذا مهم في قراءة تجربته، لأنه يبين أن الشاعر لم يكن منعزلًا عن قضايا وطنه وواقعه، بل كان يرى الشعر وسيلة للتعبير عن الخاص والعام معًا.

والبعد الوطني عند جماع لا يأتي دائمًا بصوت حاد مباشر، بل يتخذ أحيانًا لغة الصورة الطبيعية، كما في هذه القصيدة. فبدل أن يصف الأمة وصفًا سياسيًا مباشرًا، يراها موجة. وبدل أن يتحدث عن النضال بلغة تقريرية، يجعله فيضانًا وبركانًا. وبذلك يظل النص شعريًا حتى وهو يحمل معنى وطنيًا واضحًا.

وهذا النوع من الشعر الوطني مهم لأنه يربط بين الحس الجمالي والحس التحرري. فالحرية في القصيدة ليست فكرة عقلية فقط، بل جمال حركي. والكرامة ليست مبدأ مجردًا فقط، بل موجة تكتسح الذل. ومن هنا يصبح الوطن جزءًا من الخيال الشعري، لا مجرد موضوع خارجي.

الموجة بين الطبيعة والتاريخ

من الناحية الرمزية، تقف الموجة بين الطبيعة والتاريخ. فهي ظاهرة طبيعية، لكنها في القصيدة تتحول إلى تاريخ يتحرك. وهذه قدرة شعرية مهمة؛ فالشاعر يأخذ شيئًا يراه الجميع في البحر، ثم يمنحه معنى اجتماعيًا. الموجة التي يولدها الماء تصبح شبيهة بالموجة التي يولدها الناس. وكما لا تستطيع صخرة صغيرة أن تمنع البحر من الحركة إلى الأبد، لا تستطيع قوى الذل أن تمنع الشعوب من الاندفاع إلى الأبد.

والتاريخ، مثل البحر، لا يسير دائمًا في خط مستقيم. فيه مدّ وجزر، ارتفاع وانخفاض، هدوء ثم انفجار. لذلك تبدو الموجة رمزًا دقيقًا للحظة التاريخية؛ فهي لحظة ارتفاع بعد تراكم، ولحظة ظهور لما كان مستترًا في العمق. وكأن الشاعر يرى أن الأمة تمر بلحظة ارتفاع، وأن الخضم الذي بدا واسعًا ومضطربًا صار يرسل موجته الواضحة.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة القصيدة بوصفها احتفاءً باللحظة التي يتجسد فيها التاريخ في حركة مرئية. كثيرًا ما تكون آلام الناس مخفية، وأحلامهم متفرقة، لكن حين تتحول إلى موجة، تصبح مرئية ومؤثرة. هذا التحول من الخفاء إلى الظهور هو ما تحتفي به القصيدة.

اللغة والإيقاع

هدير شعري

لغة القصيدة قوية الإيقاع، مناسبة لموضوعها. الكلمات المركزية مثل: الموجة، الخضم، فيضان، زاخر، لجة، تكسح، تجتاح، صيحات، بركان، حمم، كلها كلمات ذات طاقة صوتية عالية. فهي ليست ألفاظًا ساكنة، بل ألفاظ تتحرك وتهدر. وهذا ينسجم مع المعنى؛ فالقصيدة عن موجة، ولا بد أن يكون للغة نفسها شيء من هدير الموج.

واللافت أن الشاعر يختار مفردات القوة لا مفردات الرقة التي نراها في غزله. هنا لا نجد السماء البعيدة، ولا الروح المعنّاة، ولا الربيع الذاهب، بل نجد الخضم والفيضان والبركان والحمم. هذا التحول في المعجم يدل على مرونة الشاعر؛ فهو قادر على أن يغيّر لغته بحسب الموضوع، وأن ينتقل من الهمس إلى الهدير حين يتطلب النص ذلك.

ومع ذلك، لا تفقد القصيدة طابعها التصويري. فهي ليست سلسلة كلمات حماسية فقط، بل لوحات متتابعة: موجة من خضم، فيضان بين الأمم، لجة فاضت، اكتساح للذل، صيحات كحمم البركان. هذه الصور تجعل الإيقاع قائمًا على الحركة لا على الصوت وحده.

الرمز الجماعي

الموجة لا تسأل عن الفرد

في قصائد الغزل، يكون الفرد مركز التجربة: العاشق، المحبوبة، القلب، الدمع، الذكرى. أما في «هذه الموجة»، فالمركز هو الجماعة. الموجة لا تنسب إلى شخص واحد، بل إلى الخضم. وهذا التحول من الفرد إلى الجمع يفتح أفقًا مختلفًا في شعر جماع.

والرمز الجماعي هنا مهم لأن القضايا الوطنية لا تُحمل بقلب واحد، مهما كان صادقًا، بل تحتاج إلى تيار. فالموجة لا تكون موجة لأنها قطرة واحدة، بل لأنها تجمع قطرات كثيرة في حركة واحدة. وهكذا تفعل الأمة حين تنهض؛ تتجاوز تشتت الأفراد إلى وحدة الحركة.

ومع ذلك، لا تلغي القصيدة الفرد تمامًا، بل تذوبه في الجماعة. فكل قارئ يمكن أن يشعر أنه قطرة في هذه الموجة، وأن صوته جزء من الصيحات، وأن كرامته جزء من اكتساح الذل. وهذا هو جمال الرمز الجماعي: إنه لا يمحو الفرد، بل يمنحه معنى داخل حركة أوسع.

القصيدة بوصفها دعوة إلى الكرامة

القصيدة في عمقها دعوة إلى الكرامة. ليست دعوة مباشرة مكتوبة بصيغة الأمر، بل دعوة عبر الصورة. حين يرى القارئ موجة تكتسح الذل، يشعر أن الذل شيء لا ينبغي أن يبقى. وحين يرى الرمم تُجتاح، يشعر أن الماضي الميت يجب أن يُزاح. وحين يسمع الصيحات كحمم البركان، يدرك أن الصمت لم يعد قدرًا أبديًا.

والكرامة في القصيدة ليست حالة فردية فقط، بل مشروع جماعي. فالموجة بين الأمم تعني أن الأمة تريد أن تأخذ مكانها بين غيرها، لا أن تبقى في هامش التاريخ. والفيضان الزاخر يشير إلى رغبة في الحضور، في الامتلاء، في تجاوز الضعف. لذلك يمكن قراءة القصيدة باعتبارها نصًا نهضويًا، لا مجرد قصيدة وطنية عابرة.

ومن هنا فإن قوة القصيدة لا تكمن فقط في حماستها، بل في رؤيتها: الذل ليس طبيعيًا، والرمم ليست قدرًا، والصمت يمكن أن ينفجر، والخضم يمكن أن يلد موجة. هذه الرؤية تمنح النص طابعًا تفاؤليًا قويًا، حتى لو كانت صوره عنيفة.

صلة القصيدة بالسياق السوداني

تجربة إدريس جماع الشعرية مرتبطة بالسودان، وبأسئلة الهوية والنهضة والتحرر في القرن العشرين. وقد ذكرت بعض المصادر أن له قصائد تعبر عن اعتزازه بسودانيته، وعن السودان والاستقلال والحرية، وهو ما يضع «هذه الموجة» داخل سياق أوسع من الوعي الوطني السوداني.

ولا يعني ذلك أن القصيدة لا تصلح إلا للقراءة السودانية، بل العكس؛ فهي تبدأ من حس وطني محلي، لكنها تتسع لتخاطب كل أمة تبحث عن خروج من الذل والركود. فالموجة قد تكون سودانية في سياقها، لكنها إنسانية في رمزها. كل شعب له موجته، وكل أمة لها خضمها، وكل لحظة تحرر تحتاج إلى فيضانها الخاص.

وهذا ما يجعل القصيدة مناسبة جدًا ضمن سلسلة مقالات عن الشعراء السودانيين؛ لأنها تكشف أن الشعر السوداني الحديث لم يكن عاطفيًا فقط، بل كان أيضًا حاضرًا في قضايا الأمة والوطن والنهضة. وإدريس جماع، رغم شهرته بالوجدان الرقيق، يثبت هنا أنه قادر على كتابة صورة وطنية قوية.

بين الحماسة والشعرية

من التحديات في الشعر الوطني أن يتحول إلى خطاب مباشر يفقد الشعرية. لكن «هذه الموجة» تتجنب هذا الخطر إلى حد كبير لأنها تعتمد على الرمز والصورة. فالحماسة موجودة، لكنها ليست عارية من الفن. والشاعر لا يقول كل شيء بصيغة تقريرية، بل يترك الموجة والفيضان والبركان تتكلم.

وهذا ما يجعل النص قابلًا للتحليل الأدبي، لا للاقتباس الحماسي فقط. فهناك بناء رمزي، وانتقال من الماء إلى النار، ومن الخضم إلى الفيضان، ومن الحركة الطبيعية إلى الدلالة التاريخية. هذه العناصر تمنح القصيدة طبقات من المعنى، وتجعلها أكثر من مجرد نشيد.

ومع ذلك، لا تفقد القصيدة وضوحها. وهذا من خصائص شعر جماع عمومًا: الوضوح دون ابتذال. القارئ يفهم المعنى العام بسهولة، لكنه يستطيع أن يغوص في الرموز إذا أراد. وهذه الموازنة بين الفهم السريع والعمق التأويلي هي ما يجعل القصيدة صالحة للقراء العامين وللتحليل النقدي في الوقت نفسه.

لماذا تبقى هذه الموجة مهمة في قراءة إدريس جماع؟

تبقى قصيدة «هذه الموجة» مهمة لأنها توسع صورة إدريس جماع في ذهن القارئ. فمن يقرأ له قصائد الغزل وحدها قد يظنه شاعرًا محصورًا في الحب والحنين، لكن هذه القصيدة تكشف جانبًا آخر: شاعر يرى الجماعة، ويحس بحركة التاريخ، ويكتب عن الكرامة والتحرر بلغة قوية. وهذا الاتساع ضروري لتقديمه تقديمًا عادلًا.

كما أن القصيدة مهمة لأنها تربط بين الطبيعة والوطن. فالشاعر لا يستعير الرمز الطبيعي للزينة، بل يجعله حاملًا لمعنى تاريخي. الموجة ليست خلفية، بل بطل النص. وهي ليست موجة ماء فقط، بل موجة شعبية وروحية. وهذه القدرة على تحويل الطبيعة إلى تاريخ من علامات الشعر الجيد.

وتبقى القصيدة مؤثرة لأنها تعبر عن حلم لا يشيخ: حلم أن تخرج الأمة من ذلها، وأن تكتسح بقايا الركود، وأن يصبح صوتها كصيحات البركان. هذا الحلم قد يتغير شكله من زمن إلى آخر، لكنه يبقى حاضرًا في وجدان الشعوب.

كما يمكنك التعرف على الشاعر بشكل أعمق من خلال هذا المقال:
إدريس محمد جماع: حياته وشعره وأبرز قصائده

خاتمة

في ختام هذا التحليل، يمكن القول إن قصيدة «هذه الموجة» لإدريس جماع تمثل نصًا وطنيًا رمزيًا قويًا، يجعل من الموجة صورة للحركة الجماعية، ومن الخضم صورة للشعب أو الأمة، ومن الفيضان علامة على الامتلاء والاندفاع، ومن اكتساح الذل والرمم رمزًا للتحرر من الماضي الميت. إنها قصيدة لا تكتفي بوصف الطبيعة، بل تستعير الطبيعة لتكتب عن التاريخ والكرامة والنهضة.

وتكمن قيمتها في أنها تكشف وجهًا آخر من إدريس جماع؛ وجه الشاعر الذي لا يرى الجمال في المحبوبة وحدها، بل يراه أيضًا في حركة الشعوب حين تنهض، وفي الطاقة الجماعية حين تتشكل موجة، وفي الصيحة حين تخرج من أعماق الصمت كحمم البركان. وبهذا تصبح «هذه الموجة» قصيدة عن الماء والنار معًا، عن الحركة والانفجار، عن الأمة حين ترفض الذل، وعن الشعر حين يتحول إلى هدير يذكّرنا بأن السكون ليس قدرًا، وأن من قلب الخضم تولد دائمًا موجة جديدة.

قصائد أخرى لإدريس جماع

      اترك تعليقاً

      لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *