قصيدة في ربيع الحب
محتوى المقال
الحب كولادة جديدة للروح
حين يصبح الحب فصلًا داخليًا
تُعد قصيدة «في ربيع الحب» لإدريس جماع واحدة من قصائده الوجدانية الرقيقة التي تكشف عالمه العاطفي في صورة شديدة الصفاء، حيث يمتزج الحب بالطبيعة، والذكرى بالغناء، والفرح بالحسرة، حتى تبدو القصيدة كأنها وقوف طويل أمام زمن جميل مضى ولم يبقَ منه إلا صوته الداخلي. تبدأ القصيدة من صورة ربيعية حالمة، فيها تساقٍ وغناء ومناجاة للطير بين الأغصان، ثم تنقلب سريعًا إلى إحساس بالفقد، حين يعلن الشاعر أن الأمس قد ضاع، وأن القلب انطوى على حسرة. وقد ورد نص القصيدة في مصادر شعرية بمطلعها المعروف: «في ربيع الحب كنا نتساقى ونغني».
هذه البداية مهمة جدًا لفهم القصيدة؛ لأنها تقدم الحب لا بوصفه علاقة بين قلبين فقط، بل بوصفه فصلًا كاملًا من فصول الوجود. فالربيع، في المخيال الشعري، هو زمن التفتح والنضارة والخصب والفرح، وحين يضيف الشاعر إليه كلمة الحب يصبح الربيع حالة داخلية لا فصلًا طبيعيًا فحسب. إننا أمام ربيع نفسي، لا ربيع مناخي فقط؛ ربيع كانت فيه الروح تغني، والطير يشارك العاشقين المناجاة، والغصون تتحول إلى مسرح خفيف للحب والفرح.
غير أن إدريس جماع لا يترك الربيع في صفائه الأول، بل يدخله سريعًا في دائرة الفقد. فالقصيدة ليست احتفالًا بالحب وحده، بل رثاء لذلك الحب بعد أن صار ماضيًا. هذا الانتقال بين الربيع والحسرة هو ما يمنح القصيدة قوتها العاطفية؛ إذ لا نشعر بجمال الربيع إلا لأنه ضاع، ولا نشعر بفداحة الحسرة إلا لأن ما ضاع كان جميلًا إلى حد يشبه الجنة. ومن هنا يمكن قراءة القصيدة بوصفها نصًا عن الزمن العاطفي: كيف يصبح الحب ربيعًا حين نعيشه، وكيف يصبح حسرة حين نستعيده من الذاكرة.
عنوان القصيدة ودلالة الربيع
يحمل عنوان القصيدة «في ربيع الحب» دلالة عميقة؛ فهو لا يقول «في الحب» فقط، ولا يقول «في الربيع» فقط، بل يجمع بين الفصل الطبيعي والحالة الوجدانية. وهذا الجمع يجعل الحب زمنًا مزهرًا، ويجعل الربيع صورة داخلية للقلب حين يكون ممتلئًا بالحب. فالربيع في القصيدة ليس مجرد خلفية خضراء، بل هو لغة الشعور، وفضاء البدايات، ومسرح العاطفة حين تكون في ذروتها الأولى.
وفي الشعر العربي عمومًا، ارتبط الربيع بالتجدد والصفاء واللقاء، لكن جماع يستخدمه هنا استخدامًا مأساويًا ناعمًا. فالربيع حاضر في العنوان والمطلع، لكنه سرعان ما يتحول إلى ماضٍ. نحن لا نرى الربيع وهو مستمر، بل نراه من خلال الذاكرة، بعد أن انتهى. وهذا يجعل العنوان نفسه يحمل مفارقة خفية؛ فهو يفتح باب الفرح، لكن القصيدة تغلقه بالحسرة. كأن الشاعر يقول: كان لنا ربيع، لكنه لم يدم.
ومن خلال هذا العنوان، يتضح أن القصيدة لا تتحدث عن حب عادي، بل عن حب له زمنه الخاص. فبعض التجارب العاطفية لا تُقاس بعدد الأيام أو السنوات، بل بما تتركه في الروح من أثر. قد يكون الربيع قصيرًا، لكنه يبقى طويلًا في الذاكرة. وقد يكون اللقاء عابرًا، لكنه يتحول بعد الفقد إلى عمر كامل. وهذه الفكرة هي جوهر القصيدة: الحب حين يمضي لا يغيب تمامًا، بل يبقى فصلًا داخليًا يعود إليه القلب كلما اشتدت الحسرة.
يمكنك قراءة النص الكامل لهذه القصيدة هنا:
نص قصيدة في ربيع الحب – إدريس جماع
المطلع: الغناء والمناجاة والطير
يفتتح إدريس جماع القصيدة بصورة مفعمة بالحركة والصفاء: عاشقان يتساقيان ويغنيان ويتناجيان، ثم يناجيان الطير من غصن إلى غصن. هذه الصورة تكشف أن الحب في بدايته ليس علاقة مغلقة بين اثنين فقط، بل حالة تجعل العالم كله مشاركًا. فالطير يسمع، والغصون تتحرك، والطبيعة تصبح جزءًا من الحوار. كأن الحب يوسع دائرة الكلام، فلا يعود الكلام بين المحبين وحدهما، بل بينهما وبين الكون.
كلمة «نتساقى» من الكلمات البديعة في المطلع؛ فهي توحي بالتبادل، لا بالأخذ من طرف واحد. الحب هنا ليس عطشًا فرديًا، بل سُقيا متبادلة، كأن كل واحد يمنح الآخر شيئًا من روحه. والسقيا في اللغة ترتبط بالماء والحياة والارتواء، ولذلك تبدو الكلمة مناسبة جدًا لجو الربيع. لكن القصيدة ستفاجئنا لاحقًا بأن هذا السقيا لم يؤدِّ إلى الارتواء الكامل، إذ يقول الشاعر في مقطع آخر إنهما اعتصرا نشوة العمر، ومع ذلك لم يرتويا.
أما الغناء، فيكشف أن الحب في بدايته كان موسيقيًا، خفيفًا، منفتحًا على الفرح. والغناء في شعر إدريس جماع ليس صوتًا خارجيًا فقط، بل حالة روحية. حين يغني العاشقان، فذلك يعني أن القلبين كانا في لحظة انسجام مع الذات والطبيعة. وحين يناجيان الطير، فذلك يعني أن الحب أخرج الإنسان من عزلته، وجعله قادرًا على مخاطبة الموجودات الصغيرة كأنها شركاء في السر.
ضياع الأمس: انقلاب الربيع إلى حسرة
بعد هذا المطلع المضيء، تأتي العبارة المحورية: «ثم ضاع الأمس مني / وانطوى بالقلب حسرة». هذه العبارة تتكرر في القصيدة، وتؤدي وظيفة اللازمة الوجدانية، فهي تعيد القارئ دائمًا من فضاء الربيع إلى حقيقة الفقد. كلما اتسعت صورة الفرح، عادت الحسرة لتغلق المشهد. وكلما ارتفعت الذكرى إلى عالم الحلم، أعادنا الشاعر إلى القلب المنطوي على ألم.
كلمة «الأمس» هنا ليست مجرد يوم مضى، بل زمن كامل. إنها تختصر مرحلة الحب كلها: الغناء، المناجاة، الجنة، الحلم السماوي، النشوة، الابتسامات، الزاد، والخمر الرمزي. وحين يقول الشاعر إن الأمس ضاع، فهو لا يتحدث عن نسيان عابر، بل عن فقد عالم كامل كان القلب يسكنه. الأمس في القصيدة وطن عاطفي، لا زمنًا فقط.
أما قوله «انطوى بالقلب حسرة»، فيعني أن الحسرة لم تبقَ خارجية، بل دخلت القلب واستقرت فيه. الانطواء هنا يوحي بأن القلب أغلق على الألم، أو أن الألم صار جزءًا محفوظًا في الداخل. وهذا من أرقّ ما في القصيدة؛ فالشاعر لا يصرخ صراخًا مباشرًا، بل يصور الحزن كشيء مطوي في القلب، كرسالة لم تُقرأ، أو زهرة ذبلت بين صفحات كتاب.
الحب بين الحلم والسماء
من أجمل مقاطع القصيدة قول الشاعر في المعنى الذي تورده المصادر: إن العاشقين كانا طيفين في حلم سماوي. وهذه الصورة ترفع الحب من مستوى التجربة الأرضية إلى مستوى الحلم العلوي. فالعاشقان لا يبدوان شخصين عاديين يسيران في مكان عادي، بل طيفين يتحركان داخل حلم سماوي. وهنا تتكرر النزعة نفسها التي لمسناها في قصيدة «أعلى الجمال تغار منّا»: الحب عند إدريس جماع يرتفع دائمًا إلى السماء، أو يقترب من المعنى الروحي.
كلمة «طيفان» تحمل رقة وغموضًا. فالطيف ليس جسدًا كامل الحضور، بل صورة شفافة بين الوجود والغياب. وهذا يناسب طبيعة الحب في القصيدة؛ فهو حب كان جميلًا لكنه لم يكتمل، حاضرًا في الذاكرة لكنه غائب في الواقع، مشرقًا لكنه غير قابل للاستعادة. وإذا كان العاشقان طيفين، فهذا يعني أن التجربة نفسها كانت كأنها حلم، وأن جمالها ربما كان هشًا منذ البداية، قابلًا للزوال.
أما وصف الحلم بأنه سماوي فيمنح التجربة طهرًا وعلوًا. الحب هنا لا يُقدّم بوصفه نزوة، بل نشوة روحية. لكن المفارقة أن هذا الحلم السماوي لم يمنع ضياع الأمس. وكأن القصيدة تقول إن أجمل الأحلام قد تضيع، وأن علو التجربة لا يحميها دائمًا من الفناء. وهذا ما يجعل الحزن فيها أعمق؛ لأن الذي ضاع لم يكن شيئًا عاديًا، بل حلمًا عاليًا.
النشوة التي لا تروي
تقول القصيدة في مقطعها الوجداني إن العاشقين اعتصرا نشوة العمر ولكنهما لم يرتويا. هذه العبارة من أكثر عبارات القصيدة كثافة، لأنها تكشف أن الحب، مهما منح من لذة، يظل ناقصًا إذا كان محكومًا بالزوال. لقد أخذا من الحب أقصى ما يمكن من نشوة، ومع ذلك بقي العطش. وهنا تظهر فلسفة دقيقة: الحب لا يُشبع تمامًا؛ لأنه كلما منح، زاد الحاجة إليه.
الفعل «اعتصرا» يوحي ببذل شديد، كأن العاشقين لم يمرّا بالنشوة مرورًا عابرًا، بل استخرجاها استخراجًا من عمق العمر. وهذا التعبير يجعل الحب خلاصة الحياة، لا تفصيلًا فيها. نشوة العمر كلها وُضعت في لحظة الحب، لكن هذه الخلاصة لم تكفِ للارتواء. فالارتواء، في الحب الحقيقي، يكاد يكون مستحيلًا؛ لأن العاطفة كلما كبرت اتسع عطشها.
وهذا المعنى ينسجم مع عبارة «إنه الحب فلا تسأل ولا تعتب علينا» التي ترد في النص المنشور. فالشاعر كأنه يقول إن الحب لا يخضع للمنطق العادي. لا تسأل لماذا لم نرتوِ، ولا تعتب علينا لأننا اندفعنا، فالحب بطبيعته يتجاوز الحساب والاعتدال. إنه حالة أكبر من التفسير، ولذلك يطلب الشاعر من المخاطَب ألا يسأل ولا يلوم.
الجنة التي ضاعت من اليدين
من الصور المركزية في القصيدة أن الحب كان جنة، لكنها ضاعت من اليدين. وتورد مصادر القصيدة صورة قريبة من هذا المعنى، حيث يقول الشاعر إن الجنة كانت مأوى العاشقين أو مسراهما، ثم ضاعت. وهذه الصورة تجعل الحب فردوسًا مفقودًا. لم يكن الحب مجرد سعادة عادية، بل جنة كاملة، ولهذا كان فقده قاسيًا.
والجنة في المخيال الوجداني تعني الاكتمال والراحة والجمال والخلود. لكن جنة الحب في القصيدة ليست خالدة، بل تضيع. وهنا تكمن المفارقة: الحب يشبه الجنة في لحظته، لكنه يشبه الدنيا في زواله. يرفع العاشقين إلى مكان أعلى من الواقع، ثم يتركهما يعودان إلى الأرض محملين بالحسرة. لذلك يبدو الحزن بعد الحب أشد من الحزن قبله؛ لأن من ذاق الجنة لا يعود قادرًا على احتمال العالم كما كان.
أما عبارة «من يدينا» فتجعل الفقد أكثر إيلامًا. فالجنة لم تكن بعيدة تمامًا، بل كانت في اليد، أو ظن العاشقان أنها في اليد، ثم ضاعت. وهذا النوع من الفقد هو الأشد: أن يفقد الإنسان ما كان قريبًا منه، لا ما كان مستحيلًا منذ البداية. فالقلب لا يتحسر على ما لم يعرفه بقدر ما يتحسر على ما عرفه ثم خسره.
الحزن بوصفه لحنًا وأنينًا
في مقطع آخر من القصيدة، يذوب الشاعر فؤاده لحنًا وأنينًا، ويطلب الرحمة للعود إذا غنوا به لحنًا حزينًا. هذه الصورة تكشف العلاقة العميقة بين الحب والموسيقى عند إدريس جماع. القلب لا يبقى عضوًا صامتًا، بل يتحول إلى لحن. والحزن لا يبقى ألمًا داخليًا، بل يتحول إلى أنين قابل للغناء.
وهنا تظهر قدرة الشاعر على تحويل الألم إلى فن. فالفؤاد المذوب ليس صورة ضعف فقط، بل صورة إبداع؛ إذ يتحول الألم إلى موسيقى. والعود، وهو آلة الطرب، يصبح كائنًا يستحق الرحمة حين يُجبر على حمل اللحن الحزين. كأن الشاعر يرى أن الحزن لا يصيب الإنسان وحده، بل يصيب الآلة التي تنقله، والصوت الذي يغنيه، والفضاء الذي يسمعه.
وهذا المعنى جميل جدًا في سياق قصيدة تتحدث عن ضياع الأمس؛ فالماضي لا يعود، لكن الحزن عليه يتحول إلى أغنية. الحب الذي انتهى لا يمكن استرجاعه في الواقع، لكنه يمكن أن يبقى في الفن. وربما لهذا بقيت قصائد إدريس جماع حاضرة؛ لأنها لا تكتفي بالبكاء، بل تجعل البكاء موسيقى.
الابتسامة زادًا وخمرًا
من الصور الرقيقة في القصيدة قول الشاعر إن ليس له غير ابتسامات المحبوب من زاد وخمر، كما ترد في النصوص المنشورة. وهذه الصورة تكشف طبيعة العاشق عند جماع: قليل الحاجة، شديد التعلق. لا يطلب من الحب مملكة، بل تكفيه ابتسامة. لكن هذه الابتسامة ليست شيئًا بسيطًا في وجدانه؛ إنها زاد، أي غذاء الرحلة، وخمر، أي نشوة الروح. فهي تجمع بين الحاجة واللذة، بين البقاء والسكر.
الزاد يرتبط بالطريق والسفر، وهذا يعني أن العاشق يعيش الحب كرحلة طويلة يحتاج فيها إلى ما يعينه. أما الخمر في الشعر، بمعناها الرمزي، فهي نشوة وانخطاف وخروج من ثقل الواقع. وحين تكون ابتسامة المحبوب زادًا وخمرًا معًا، فهذا يعني أنها تمنحه القدرة على الاستمرار، وتمنحه في الوقت نفسه نشوة لا يجدها في غيرها.
وتكشف هذه الصورة أيضًا عن نزعة العاشق إلى تضخيم التفاصيل الصغيرة. فالابتسامة، في نظر الآخرين، قد تكون حركة عابرة، لكنها عند العاشق حياة كاملة. وهذا من حقائق الحب: الأشياء الصغيرة تصبح كبرى لأنها صادرة ممن نحب. ابتسامة واحدة قد تكفي لأن يعيش القلب يومًا كاملًا، وربما عمرًا من الذكرى.
الطبيعة بوصفها شريكًا في الحب
تحضر الطبيعة بقوة في القصيدة من خلال الربيع والطير والغصون. والطبيعة هنا ليست خلفية زخرفية، بل شريك في المشهد. فالعاشقان لا يتناجيان وحدهما، بل يناجيان الطير، والطير يتحرك من غصن إلى غصن. وهذا يعكس حالة الانسجام بين الحب والعالم؛ حين يحب الإنسان، يشعر أن كل شيء حوله صار قريبًا منه، وأن الطير والغصن والهواء يفهمون لغته.
وهذا الحضور الطبيعي ينسجم مع عنوان القصيدة. فالربيع ليس اسمًا فقط، بل شبكة صور: غناء، طير، أغصان، حركة، صفاء. لكن هذه الطبيعة، رغم جمالها، تدخل في الذاكرة. نحن لا نراها في الحاضر، بل نستعيدها بعد ضياع الأمس. ومن هنا تتحول الطبيعة إلى جزء من الحنين. ليست الطبيعة في القصيدة مجرد حياة، بل حياة مفقودة.
ومن أجمل ما في هذا البناء أن الشاعر لا يحمّل الطبيعة حزنًا منذ البداية. في البداية هي فرحة ومغنية، ثم يأتي الفقد من الزمن لا من الطبيعة. وهذا يجعل الحسرة أقوى؛ لأننا نرى أولًا العالم في صفائه، ثم نشعر بضياعه. فالقصيدة تعلّمنا أن الذاكرة لا تحتفظ بالألم وحده، بل تحتفظ بالجمال الذي جعل الألم ممكنًا.
الرومانسية عند إدريس جماع
تُظهر قصيدة «في ربيع الحب» بوضوح نزعة إدريس جماع الرومانسية. فهناك حضور للطبيعة، وارتفاع بالحب إلى مستوى الحلم، واهتمام بالذات الداخلية، وشعور بالحسرة على زمن مفقود، وميل إلى الموسيقى الوجدانية. لكن رومانسية جماع ليست صاخبة ولا متمردة بعنف، بل ناعمة، حزينة، شفافة، أقرب إلى الهمس منها إلى الصراخ.
وهذا ما يميز صوته. فهو لا يكتب الحب بلغة استعراضية، بل بلغة منكسرة وهادئة. حتى حين يتحدث عن نشوة العمر، لا يطيل في وصف اللذة، بل ينتقل إلى عدم الارتواء. وحتى حين يذكر الجنة، لا يلبث أن يقول إنها ضاعت. كأن الحزن حاضر في قلب الفرح منذ البداية، وكأن إدريس جماع يعرف أن الجمال عابر، ولذلك يكتبه بحنان وخوف.
وقد وصفته بعض المصادر بأنه شاعر سوداني رقيق اللفظ، صاحب ديوان «لحظات باقية»، وهو وصف يلائم هذه القصيدة تمامًا، لأنها قصيدة عن لحظة بقيت في الذاكرة بعد أن ضاع زمنها الواقعي.
كما يمكنك التعرف على الشاعر بشكل أعمق من خلال هذا المقال:
إدريس محمد جماع: حياته وشعره وأبرز قصائده
بناء القصيدة ودور اللازمة
تعتمد القصيدة على لازمة متكررة هي ضياع الأمس وانطواء الحسرة في القلب. هذه اللازمة تمنح النص تماسكًا موسيقيًا ووجدانيًا. فالمقاطع قد تذهب إلى الحلم، أو الجنة، أو اللحن، أو الابتسامات، لكنها تعود دائمًا إلى النقطة نفسها: الماضي ضاع. وهذا التكرار يشبه عمل الذاكرة، إذ تعود باستمرار إلى لحظة الفقد مهما حاولت أن تستعيد لحظات الفرح.
واللازمة في الشعر الغنائي تؤدي دورًا مهمًا؛ فهي تربط المقاطع، وتثبت الشعور المركزي، وتمنح القارئ أو المستمع جملة يعود إليها. وفي هذه القصيدة، ليست اللازمة زائدة، بل هي قلب النص. لو حذفت، لفقدت القصيدة نبض الحسرة الذي يوازن جمال الصور. فالربيع وحده قد يجعل القصيدة فرحة، لكن اللازمة تجعلها مرثية للربيع.
كما أن التكرار يعكس عجز الشاعر عن تجاوز الفقد. إنه يقول مرة بعد مرة إن الأمس ضاع، كأنه لا يزال يحاول تصديق ذلك. وهذا قريب جدًا من تجربة الإنسان حين يفقد شيئًا عزيزًا؛ يكرر الحقيقة المؤلمة لأنه لا يستطيع استيعابها دفعة واحدة.
الحب بوصفه ذاكرة لا حاضرًا
القصيدة كلها مكتوبة من موقع ما بعد الحب، لا من قلب الحب فقط. لذلك فهي قصيدة ذاكرة بامتياز. الشاعر لا يقول: نحن الآن نتساقى ونغني، بل يقول: كنا. وهذا الفعل الماضي هو مفتاح الحزن. كل الجمال الذي نقرأه محاط بزمن مضى. الربيع ماضٍ، الغناء ماضٍ، الطير ماضٍ، الجنة ماضية، والنشوة ماضية. الحاضر الوحيد هو الحسرة.
وهذا البناء يجعل القصيدة قريبة من المراثي العاطفية؛ فهي لا ترثي إنسانًا بالضرورة، بل ترثي زمنًا. والزمن، حين يموت، لا يُدفن في قبر واضح، بل يبقى منتشرًا في الأشياء. لذلك يبدو الشاعر محاطًا بذكريات صغيرة: غصن، طير، ابتسامة، لحن. كل واحدة منها تحمل أثر الربيع الذي انتهى.
ومن هنا فإن الحب في القصيدة لا يعيش في الحاضر، بل في الذاكرة. وربما تكون الذاكرة هي التي تمنحه جماله الأعلى. فما دام الحب قد ضاع، صار أكثر صفاءً في المخيلة، وأكثر ألمًا في القلب. وهذه مفارقة الذاكرة: إنها تزين ما مضى، لكنها بذلك تزيد وجع فقده.
لماذا بقيت القصيدة مؤثرة؟
بقيت قصيدة «في ربيع الحب» مؤثرة لأنها تجمع بين الفرح والحسرة في توازن نادر. فهي ليست حزينة منذ البداية، وليست فرحة إلى النهاية، بل تجعل القارئ يعيش الفرح أولًا، ثم يشعر بفقده. وهذا النوع من القصائد يلامس القلب بعمق، لأنه يشبه تجربة الإنسان مع الذكريات الجميلة: لا تؤلم لأنها سيئة، بل لأنها كانت جميلة وانتهت.
وبقيت كذلك لأن صورها بسيطة وقريبة: الربيع، الطير، الغصن، الغناء، الابتسامة، اللحن. هذه الصور لا تحتاج إلى شرح، لكنها تحمل معاني واسعة. وهي أيضًا صور قابلة للغناء، ولذلك انتقلت القصيدة في الوجدان السوداني والعربي بسهولة، خصوصًا أن النص نفسه منشور في مصادر تشير إلى صلته بالغناء والتداول.
كما بقيت لأنها تعبّر عن إدريس جماع في صفائه الخاص: شاعر يرى الحب حلمًا سماويًا، لكنه لا يغفل قسوة ضياعه؛ يكتب بلغة رقيقة، لكنه يحمل في داخلها حسرة عميقة؛ يقترب من الطبيعة، لكنه يجعلها مرآة للروح. وهذه الخصائص هي التي جعلت قصائده، رغم قلة إنتاجه قياسًا إلى غيره، حاضرة بقوة في الذاكرة الشعرية.
خاتمة
في ختام هذا التحليل، يمكن القول إن قصيدة «في ربيع الحب» لإدريس جماع قصيدة عن الربيع الذي صار ذكرى، وعن الحب الذي كان جنة ثم ضاع، وعن النشوة التي بلغت ذروتها لكنها لم تمنح الارتواء الكامل. لقد استطاع جماع أن يصوغ تجربة الحب والفقد بلغة رقيقة شفافة، تبدأ بالغناء ومناجاة الطير، وتنتهي بالحسرة المطوية في القلب. وبين البداية والنهاية، تتحول القصيدة إلى رحلة في ذاكرة عاشق يستعيد أجمل أيامه لا ليستمتع بها فقط، بل ليحزن على ضياعها.
وتكمن عظمة القصيدة في أنها تجعل الحب تجربة مزدوجة: فرحًا حين يُعاش، وحسرة حين يُستعاد. فالربيع في القصيدة ليس فصلًا عابرًا، بل زمن داخلي كان فيه القلب قادرًا على الغناء، والطبيعة قادرة على الإصغاء، والابتسامة قادرة على أن تكون زادًا وخمرًا. ثم يضيع كل ذلك، ولا يبقى إلا الشعر. ولهذا تبدو «في ربيع الحب» واحدة من أجمل قصائد إدريس جماع الوجدانية، لأنها تحفظ الربيع بعد ضياعه، وتحول الحسرة إلى لحن باقٍ.
قصائد أخرى لإدريس جماع
- قصيدة هذه الموجة
- قصيدة أعلى الجمال تغار منا
- قصيدة شاء الهوى أم شئت أنت

