نص قصيدة غريب على الخليج

قصيدة الاغتراب والحنين في الشعر العربي الحديث

مقدمة

تُعد قصيدة «غريب على الخليج» من أشهر قصائد بدر شاكر السياب في التعبير عن الغربة والحنين إلى العراق، وهي قصيدة لا تقف عند حدود البكاء على الوطن البعيد، بل تحوّل الخليج إلى رمز للمسافة القاسية بين الشاعر وبلاده. وقد كُتبت القصيدة في سياق تجربة مريرة من التشرد والبعد، إذ تشير بعض القراءات الأدبية إلى أن السياب كتبها في الكويت بعد فشل انتفاضة عام 1952 في العراق، وهو يعيش قلق الغربة والخوف والحنين.

في هذه القصيدة يصبح العراق أكثر من وطن جغرافي؛ إنه صوت داخلي يتردد في نفس الشاعر، ونداء لا يستطيع أن يسكته البحر، وصورة تتداخل فيها الأم والطفولة والنخيل والفقر والذكريات الأولى. لذلك تبدو «غريب على الخليج» قصيدة عن الإنسان حين يقف قريبًا من وطنه في الخريطة، بعيدًا عنه في الواقع والروح، فيرى الماء أمامه لا جسرًا للعودة، بل حاجزًا يضاعف وجع الغربة.

يمكنك قراءة الدراسة الأدبية الكاملة لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة غريب على الخليج – بدر شاكر السياب

نص القصيدة

الريح تلهث بالهجيرة، كالجثام، على الأصيل
وعلى القلوع تظل تُطوى أو تُنشَّر للرحيل
زحم الخليج بهن مكتدحون جوَّابو بحار
من كل حافٍ نصف عاري
وعلى الرمال، على الخليج
جلس الغريب، يسرح البصرالمحيَّر في الخليج
ويهد أعمدة الضياء بما يُصَعِّدُ من نشيج
أعلى من العبَّاب يهدر رغوُهُ ومن الضجيج
صوتٌ تفجر في قرارة نفسي الثكلى عراق
كالمد يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون
الريحُ تصرخ بي عراق
والموج يُعوِل بي: عراق، عراق، ليس سوى عراق!
البحر أوسع ما يكون وأنت أبعد ما تكون
والبحر دونك يا عراق
بالأمس حين مررتُ بالمقهى، سمعتك يا عراق
وكنت دورة أسطوانهْ
هي دورة الأفلاك من عُمُري، تكور لي زمانهْ
في لحظتين من الزمان، وإن تكُن فقدت مكانَهْ
هي وجه أمي في الظلام
وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنام
وهي النخيل أخاف منه إذا ادلهمَّ مع الغروب
فاكتظ بالأشباح تخطف كلَّ طفلٍ لا يئوب
من الدروب
وهي المفلية العجوز وما توشوش عن (حزام)
وكيف شَقَّ القبر عنه أمام (عفراء) الجميلهْ
فاحتازها … إلا جديلهْ
زهراء، أنت أتذكرين
تنورنا الوهاج تزحمه أكف المصطلين؟
وحديث عمتيَ الخفيض عن الملوك الغابرين؟
ووراء بابٍ كالقضاء
قد أوصدته على النساء
أيدٍ تُطاع بما تشاء؛ لأنها أيدي رجال
كان الرجال يعربدون ويسمرون بلا كلال
أفتذكرين؟ أتذكرين؟
سعداء كنا قانعين
بذلك القَصَصِ الحزين لأنه قصص النساء
حشدٌ من الحيوات والأزمان، كنا عنفوانُهْ
كنا مَدَارَيْهِ اللذين ينام بينهما كيانُهْ
أفليس ذاك سوى هباء؟
حلمٌ ودورة أسطوانهْ؟
إن كان هذا كل ما يبقى فأين هو العزاء؟
أحببت فيك عراق روحي أو حببتك أنت فيه
يا أنتما، مصباح روحي أنتما — وأتى المساء
والليل أطبق، فلتُشِعَّا في دجاه فلا أتيهْ
لو جئت في البلد الغريب إليَّ ما كمل اللقاءْ!
الملتقى بك والعراق على يدي هو اللقاءْ!
شوق يخضُّ دمي إليه، كأن كل دمي اشتهاءْ
جوع إليه … كجوع كل دَمِ الغريق إلى الهواء
شوق الجنين إذا اشرأب من الظلام إلى الولادَهْ!
إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون!
أيخون إنسانٌ بلادَهْ؟
إن خان معنى أن يكون، فكيف يمكن أن يكون؟
الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلامْ
حتى الظلام هناك أجملُ، فهو يحتضن العراق
وا حسرتاه، متى أنام
فأحس أن على الوسادَهْ
من ليلك الصيفي طلّاً فيه عطرك يا عراق؟
بين القرى المتهيِّبات خطاي والمدن الغريبَهْ
غنيت تربتك الحبيبَهْ
وحملتُها فأنا المسيح يجر في المنفى صليبَهْ
فسمعتُ وقع خطى الجياع تسير، تدمى من عثار
فتذرُّ في عيني، منك ومن مناسمها، غبار
ما زلت أضرب، مُترب القدمين أشعث، في الدروب
تحت الشموس الأجنبيَّهْ
متخافق الأطمار، أبسط بالسؤال يدًا نديَّهْ
صفراء من ذلٍ وحمى: ذل شحاذٍ غريب
بين العيون الأجنبيَّهْ
بين احتقارٍ، وانتهارٍ، وازورارٍ أو (خطيَّهْ)
والموت أهون من (خطيَّهْ)
من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبيَّهْ
قطرات ماءٍ … معدنيَّهْ!
فلتنطفي، يا أنت، يا قطرات، يا دمُ، يا نقود
يا ريح، يا إبرًا تخيط لي الشراع، متى أعود
إلى العراق؟ متى أعود؟
يا لمعة الأمواج رنحهن مجدافٌ يرود
بي الخليج، ويا كواكبه الكبيرةَ … يا نقود!
_ _ _
ليت السفائن لا تُقاضي راكبيها عن سفار
أو ليت أن الأرض كالأفق العريض، بلا بحار!
ما زلت أحسب يا نقود، أعدُّكُنَّ وأستزيدْ
ما زلت أُنْقِصُ، يا نقود، بِكُنَّ من مدد اغترابي
ما زلت أوقد بالتماعتكُنَّ نافذتي وبابي
في الضفة الأخرى هناك فحدثيني يا نقود
متى أعود؟ متى أعود؟
أتراه يأزف، قبل موتي، ذلك اليوم السعيد؟
سأفيق في ذاك الصباح، وفي السماء من السحاب
كِسَرٌ، وفي النسمات بردٌ مشبع بعطور آب
وأزيح بالثؤباء بُقْيَا من نعاسي كالحجاب
من الحرير، يشفُّ عمَّا لا يبين وما يبين
عمَّا نسيت وكدت لا أنسى، وشكٍّ في يقين
ويضيء لي، وأنا أمد يدي لألبس من ثيابي
ما كنت أبحث عنه في عتمات نفسي من جواب
لم يملأ الفرح الخفي شعاب نفسي كالضباب؟
اليوم — واندفق السرور عليَّ يفجؤني — أعود!
_ _ _
وا حسرتاه … فلن أعود إلى العراق!
وهل يعود
من كان تعوزه النقود؟ وكيف تدخر النقود
وأنت تأكل إذ تجوع؟ وأنت تنفق ما يجود
به الكرام على الطعام؟
لتبكينَّ على العراق
فما لديك سوى الدموع
وسوى انتظارك، دون جدوى، للرياح وللقلوع!

فكرة القصيدة بإيجاز

هذا المقتطف القصير يلخص جوهر القصيدة؛ فالشاعر لا يحن إلى العراق لأنه مكان مريح أو خالٍ من الألم، بل لأنه وطنه الأول، حتى إن الظلام فيه يبدو أجمل من سواه. وهنا يبلغ الحنين ذروته، لأن السياب لا يجمّل الوطن تجميلًا سطحيًا، بل يرى أن كل ما يرتبط بالعراق، حتى العتمة، يكتسب معنى خاصًا لأنه يحتضن الأرض التي ينتمي إليها القلب.

وفي القصيدة يتكرر حضور العراق كأن الاسم نفسه صار موجةً تعود كل مرة إلى الشاعر، فتزيد غربته وضوحًا. فالغريب الواقف على الخليج لا ينظر إلى الماء بوصفه منظرًا طبيعيًا، بل بوصفه المسافة التي تفصله عن روحه، وكلما اتسع البحر أمامه ازداد الوطن حضورًا في داخله.

نبذة قصيرة عن الشاعر بدر شاكر السياب

بدر شاكر السياب شاعر عراقي وُلد سنة 1926 في قرية جيكور قرب البصرة، وتوفي سنة 1964 بعد حياة قصيرة طبعتها المعاناة والمرض والغربة، لكنه ترك أثرًا كبيرًا في الشعر العربي الحديث. ويُعد السياب واحدًا من أبرز رواد الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة في الأدب العربي، وقد ارتبط اسمه بالتجديد الشعري وبالانتقال من الشكل العمودي التقليدي إلى بناء إيقاعي أكثر مرونة وقدرة على التعبير عن قلق الإنسان الحديث.

تميّز شعر السياب بحضور العراق، والقرية، والأم، والمطر، والأسطورة، والغربة، والمرض، والجوع، والحنين إلى الطفولة. ومن أشهر قصائده «أنشودة المطر» و**«غريب على الخليج»**، وفيهما تظهر قدرته على تحويل التجربة الشخصية إلى معنى إنساني واسع، فغربته ليست غربته وحده، وحنينه إلى العراق يتحول إلى صورة لكل إنسان ابتعد عن مكانه الأول وظلّ يحمله في داخله.

يمكنك قراءة المقال الكامل عن الشاعر هنا:
بدر شاكر السياب: رائد الشعر الحر في الأدب العربي

خاتمة

تبقى قصيدة «غريب على الخليج» من أجمل قصائد السياب في الحنين والغربة، لأنها تجعل الوطن حاضرًا من خلال غيابه، وتجعل الخليج شاهدًا على المسافة بين الشاعر والعراق. وقد استطاع السياب أن يحوّل لحظة الوقوف أمام البحر إلى تجربة شعرية عميقة، يتداخل فيها الصوت بالموج، والذاكرة بالمكان، والوطن بالأم والطفولة. إنها قصيدة لا تقول الغربة بوصفها سفرًا فحسب، بل بوصفها انقسامًا في الروح، حين يكون الجسد في مكان، والقلب في مكان آخر.

قصائد أخرى لبدر شاكر السياب

        اترك تعليقاً

        لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *