نص قصيدة رمضان ولى هاتها يا ساقي

قصيدة التأمل الاجتماعي في الشعر العربي

مقدمة

تُعد قصيدة «رمضان ولّى هاتها يا ساقي» من القصائد اللافتة في شعر أحمد شوقي، لأنها تكشف جانبًا مختلفًا من تجربته الشعرية؛ جانبًا يقوم على الخفة والمفارقة واستدعاء أجواء الشعر الخمري القديم، بعيدًا عن الصورة الرسمية المألوفة لأمير الشعراء في قصائد المديح النبوي والوطنية والرثاء. وقد اشتهرت القصيدة بمطلعها الجريء الذي يبدأ بانقضاء شهر رمضان والدعوة إلى الساقي، وهو مطلع أثار كثيرًا من الجدل بسبب مقابلة الشهر الفضيل بصورة الشراب واللهو.

ومع ذلك، لا ينبغي قراءة القصيدة قراءة حرفية بسيطة فقط، بل يمكن النظر إليها بوصفها نصًا شعريًا قائمًا على القناع والمفارقة، حيث يتحدث الشاعر بلسان شخصية لاهية ترى في انتهاء رمضان عودة إلى عادتها القديمة. ومن هنا تأتي أهمية القصيدة في تجربة شوقي؛ فهي لا تمثل مقامه الديني أو الوطني، بل تمثل قدرته على التنقل بين الأغراض الشعرية المختلفة، من الجلال إلى الهزل، ومن المديح إلى الغزل، ومن الحكمة إلى الطرافة.

يمكنك قراءة الدراسة الأدبية الكاملة لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة رمضان ولى هاتها يا ساقي – أحمد شوقي

نص القصيدة

رَمَضانُ وَلّى هاتِها يا ساقي
مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ
ما كانَ أَكثَرَهُ عَلى أُلّافِها
وَأَقَلَّهُ في طاعَةِ الخَلّاقِ
اللَهُ غَفّارُ الذُنوبِ جَميعِها
إِن كانَ ثَمَّ مِنَ الذُنوبِ بَواقي
بِالأَمسِ قَد كُنّا سَجينَي طاعَةٍ
وَاليَومَ مَنَّ العيدُ بِالإِطلاقِ
ضَحِكَت إِلَيَّ مِنَ السُرورِ وَلَم تَزَل
بِنتُ الكُرومِ كَريمَةَ الأَعراقِ
هاتِ اِسقِنيها غَيرَ ذاتِ عَواقِبٍ
حَتّى نُراعَ لِصَيحَةِ الصَفّاقِ
صِرفاً مُسَلَّطَةَ الشُعاعِ كَأَنَّما
مِن وَجنَتَيكَ تُدارُ وَالأَحداقِ
حَمراءَ أَو صَفراءَ إِنَّ كَريمَها
كَالغيدِ كُلُّ مَليحَةٍ بِمَذاقِ
وَحَذارِ مِن دَمِها الزَكِيِّ تُريقُهُ
يَكفيكَ يا قاسي دَمُ العُشّاقِ
لا تَسقِني إِلّا دِهاقاً إِنَّني
أُسقى بِكَأسٍ في الهُمومِ دِهاقِ
فَلَعَلَّ سُلطانَ المُدامَةِ مُخرِجي
مِن عالَمٍ لَم يَحوِ غَيرَ نِفاقِ
وَطَني أَسِفتُ عَلَيكَ في عيدِ المَلا
وَبَكَيتُ مِن وَجدٍ وَمِن إِشفاقِ
لا عيدَ لي حَتّى أَراكَ بِأُمَّةٍ
شَمّاءَ راوِيَةٍ مِنَ الأَخلاقِ
ذَهَبَ الكِرامُ الجامِعونَ لِأَمرِهِم
وَبَقيتُ في خَلَفٍ بِغَيرِ خَلاقِ
أَيَظَلُّ بَعضُهُمُ لِبَعضٍ خاذِلاً
وَيُقالُ شَعبٌ في الحَضارَةِ راقي
وَإِذا أَرادَ اللَهُ إِشقاءَ القُرى
جَعَلَ الهُداةَ بِها دُعاةَ شِقاقِ
العيدُ بَينَ يَدَيكَ يا اِبنَ مُحَمَّدٍ
نَثَرَ السُعودَ حُلىً عَلى الآفاقِ
وَأَتى يُقَبِّلُ راحَتَيكَ وَيَرتَجي
أَن لايَفوتَكُما الزَمانَ تَلاقِ
قابَلتُهُ بِسُعودِ وَجهِكَ وَالسَنا
فَاِزدادَ مِن يُمنٍ وَمِن إِشراقِ
فَاِهنَأ بِطالِعِهِ السَعيدِ يَزينُهُ
عيدُ الفَقيرِ وَلَيلَةُ الأَرزاقِ
يَتَنَزَّلُ الأَجرانِ في صُبحَيهِما
جَزلَينِ عَن صَومٍ وَعَن إِنفاقِ
إِنّي أُجِلُّ عَنِ القِتالِ سَرائِري
إِلّا قِتالَ البُؤسِ وَالإِملاقِ
وَأَرى سُمومَ العالَمينَ كَثيرَةً
وَأَرى التَعاوُنَ أَنجَعَ التِرياقِ
قَسَمَت بَنيها وَاِستَبَدَّت فَوقَهُم
دُنيا تَعُقُّ لَئيمَةُ الميثاقِ
وَاللَهُ أَتعَبَها وَضَلَّلَ كَيدَها
مِن راحَتَيكَ بِوابِلٍ غَيداقِ
يَأسو جِراحَ اليائِسينَ مِنَ الوَرى
وَيُساعِدُ الأَنفاسَ في الأَرماقِ
بَلَغَ الكِرامُ المَجدَ حينَ جَرَوا لَهُ
بِسَوابِقٍ وَبَلَغتَهُ بِبُراقِ
وَرَأَوا غُبارَكَ في السُها وَتَراكَضوا
مَن لِلنُجومِ وَمَن لَهُم بِلَحاقِ
مَولايَ طِلبَةُ مِصرَ أَن تَبقى لَها
فَإِذا بَقيتَ فَكُلُّ خَيرٍ باقِ
سَبَقَ القَريضُ إِلَيكَ كُلَّ مُهَنِّئٍ
مِن شاعِرٍ مُتَفَرِّدٍ سَبّاقِ
لَم يَدَّخِر إِلّا رِضاكَ وَلا اِقتَنى
إِلّا وَلاءَكَ أَنفَسَ الأَعلاقِ
إِنَّ القُلوبَ وَأَنتَ مِلءُ صَميمِها
بَعَثَت تَهانيها مِنَ الأَعماقِ
وَأَنا الفَتى الطائِيُّ فيكَ وَهَذِهِ
كَلِمي هَزَزتُ بِها أَبا إِسحاقِ

فكرة القصيدة بإيجاز

هذا المقتطف يوضح طبيعة القصيدة وجوها العام؛ فهي تبدأ بنبرة مرحة ساخرة، وتجعل انتهاء رمضان لحظة انتقال من الصوم والإمساك إلى الفطر واللذة والاحتفال. واللافت في الأبيات أن شوقي لا يخلو من لمحة نقدية حين يقول إن رمضان كان طويلًا على أهل اللهو، وقصيرًا في طاعة الخلاق، وهي عبارة تكشف أن القصيدة ليست مجرد احتفاء مباشر باللهو، بل تحمل في داخلها مفارقة بين من يعيش رمضان بروحه، ومن لا يرى فيه إلا قيدًا مؤقتًا على شهواته.

نبذة قصيرة عن الشاعر أحمد شوقي

أحمد شوقي شاعر مصري كبير، وواحد من أبرز شعراء العربية في العصر الحديث، اشتهر بلقب أمير الشعراء لما امتاز به شعره من فخامة العبارة، وقوة الموسيقى، وسعة الثقافة، وتنوع الأغراض. كتب شوقي في المديح النبوي، والوطنية، والغزل، والرثاء، والحكمة، والمسرح الشعري، واستطاع أن يجدد في القصيدة العربية مع المحافظة على صلتها بالتراث الكلاسيكي.

وتكشف قصائد شوقي عن شاعر واسع التجربة، لا يقف عند غرض واحد أو نبرة واحدة؛ فهو صاحب قصائد دينية خالدة مثل «ولد الهدى فالكائنات ضياء» و«نهج البردة»، وصاحب قصائد وطنية مؤثرة مثل «يا دمشق»، كما كتب قصائد غزلية ووجدانية وخفيفة. ومن هنا تأتي قصيدة «رمضان ولّى هاتها يا ساقي» بوصفها مثالًا على هذا التعدد، فهي تظهر شوقي في مقام شعري مختلف يقوم على الطرافة والمفارقة واستلهام تقاليد الخمريات القديمة.

يمكنك قراءة المقال الكامل عن الشاعر هنا:
أحمد شوقي: أمير الشعراء في الأدب العربي الحديث

خاتمة قصيرة

تبقى قصيدة «رمضان ولّى هاتها يا ساقي» من القصائد التي تثير النقاش في شعر أحمد شوقي، لأنها تجمع بين الجرأة اللفظية، وخفة الإيقاع، واستدعاء صورة الساقي والخمرة في سياق انتهاء رمضان. وقد ظل مطلعها حاضرًا في الذاكرة بسبب غرابته وقوة مفارقته، لكنه يحتاج دائمًا إلى قراءة أدبية متوازنة تفهمه ضمن تقاليد الشعر الخمري والقناع الفني، لا بوصفه وحده مفتاحًا للحكم على تجربة شوقي كلها. إنها قصيدة تكشف جانبًا من تنوع أمير الشعراء، وتذكرنا بأن الشاعر الكبير قد يجمع في ديوانه بين الجلال والهزل، وبين المديح والطرافة، وبين الحكمة والمفارقة.

قصائد أخرى لأحمد شوقي

            اترك تعليقاً

            لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *