نص قصيدة سلوا قلبي
محتوى المقال
قصيدة الوطن والتاريخ في الشعر العربي
مقدمة
تُعد قصيدة «سلوا قلبي» من أشهر القصائد الدينية والوجدانية التي كتبها أحمد شوقي، وهي من النصوص التي تجمع بين رقة البوح الداخلي، وسمو المديح النبوي، وحكمة النظر إلى الحياة والإنسان. تبدأ القصيدة من القلب، لا من الخارج، وكأن شوقي يريد أن يجعل التجربة الروحية رحلة تبدأ من النفس حين تراجع هواها وتعود إلى صفائها، ثم ترتفع بعد ذلك إلى مقام محبة النبي صلى الله عليه وسلم والثناء على رسالته وأخلاقه.
وقد اشتهرت القصيدة بمطلعها المعروف: «سلوا قلبي غداة سلا وتابا»، وفي هذا المطلع نرى القلب وقد خرج من أسر الهوى، أو بدأ يحاول الخروج منه، ليتحول الجمال من فتنة عابرة إلى موضوع عتاب وتأمل. ومن هنا تأتي قيمة القصيدة؛ فهي لا تقدم المديح النبوي بوصفه كلامًا احتفاليًا مباشرًا، بل تجعله ثمرة لتحول وجداني وروحي، حيث يجد القلب بعد التعب والاضطراب طريقه إلى الهداية والمحبة والمعنى الأعلى.
يمكنك قراءة الدراسة الأدبية الكاملة لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة سلوا قلبي – أحمد شوقي
نص القصيدة
سَلو قَلبي غَداةَ سَلا وَثابا
لَعَلَّ عَلى الجَمالِ لَهُ عِتابا
وَيُسأَلُ في الحَوادِثِ ذو صَوابٍ
فَهَل تَرَكَ الجَمالُ لَهُ صَوابا
وَكُنتُ إِذا سَأَلتُ القَلبَ يَوماً
تَوَلّى الدَمعُ عَن قَلبي الجَوابا
وَلي بَينَ الضُلوعِ دَمٌ وَلَحمٌ
هُما الواهي الَّذي ثَكِلَ الشَبابا
تَسَرَّبَ في الدُموعِ فَقُلتُ وَلّى
وَصَفَّقَ في الضُلوعِ فَقُلتُ ثابا
وَلَو خُلِقَت قُلوبٌ مِن حَديدٍ
لَما حَمَلَت كَما حَمَلَ العَذابا
وَأَحبابٍ سُقيتُ بِهِم سُلافاً
وَكانَ الوَصلُ مِن قِصَرٍ حَبابا
وَنادَمنا الشَبابَ عَلى بِساطٍ
مِنَ اللَذاتِ مُختَلِفٍ شَرابا
وَكُلُّ بِساطِ عَيشٍ سَوفَ يُطوى
وَإِن طالَ الزَمانُ بِهِ وَطابا
كَأَنَّ القَلبَ بَعدَهُمُ غَريبٌ
إِذا عادَتهُ ذِكرى الأَهلِ ذابا
وَلا يُنبيكَ عَن خُلُقِ اللَيالي
كَمَن فَقَدَ الأَحِبَّةَ وَالصَحابا
أَخا الدُنيا أَرى دُنياكَ أَفعى
تُبَدِّلُ كُلَّ آوِنَةٍ إِهابا
وَأَنَّ الرُقطَ أَيقَظُ هاجِعاتٍ
وَأَترَعُ في ظِلالِ السِلمِ تابا
وَمِن عَجَبٍ تُشَيِّبُ عاشِقيها
وَتُفنيهِمِ وَما بَرَحَت كَعابا
فَمَن يَغتَرُّ بِالدُنيا فَإِنّي
لَبِستُ بِها فَأَبلَيتُ الثِيابا
لَها ضَحِكُ القِيانِ إِلى غَبِيٍّ
وَلي ضَحِكُ اللَبيبِ إِذا تَغابى
جَنَيتُ بِرَوضِها وَرداً وَشَوكاً
وَذُقتُ بِكَأسِها شُهداً وَصابا
فَلَم أَرَ غَيرَ حُكمِ اللَهِ حُكماً
وَلَم أَرَ دونَ بابِ اللَهِ بابا
وَلا عَظَّمتُ في الأَشياءِ إِلّا
صَحيحَ العِلمِ وَالأَدَبِ اللُبابا
وَلا كَرَّمتُ إِلّا وَجهَ حُرٍّ
يُقَلِّدُ قَومَهُ المِنَنَ الرَغابا
وَلَم أَرَ مِثلَ جَمعِ المالِ داءً
وَلا مِثلَ البَخيلِ بِهِ مُصابا
فَلا تَقتُلكَ شَهوَتُهُ وَزِنها
كَما تَزِنُ الطَعامَ أَوِ الشَرابا
وَخُذ لِبَنيكَ وَالأَيّامِ ذُخراً
وَأَعطِ اللَهَ حِصَّتَهُ اِحتِسابا
فَلَو طالَعتَ أَحداثَ اللَيالي
وَجَدتَ الفَقرَ أَقرَبَها اِنتِيابا
وَأَنَّ البِرَّ خَيرٌ في حَياةٍ
وَأَبقى بَعدَ صاحِبِهِ ثَوابا
وَأَنَّ الشَرَّ يَصدَعُ فاعِليهِ
وَلَم أَرَ خَيِّراً بِالشَرِّ آبا
فَرِفقاً بِالبَنينِ إِذا اللَيالي
عَلى الأَعقابِ أَوقَعَتِ العِقابا
وَلَم يَتَقَلَّدوا شُكرَ اليَتامى
وَلا اِدَّرَعوا الدُعاءَ المُستَجابا
عَجِبتُ لِمَعشَرٍ صَلّوا وَصاموا
عَواهِرَ خِشيَةً وَتُقى كِذابا
وَتُلفيهُمْ حِيالَ المالِ صُمّاً
إِذا داعي الزَكاةِ بِهِم أَهابا
لَقَد كَتَموا نَصيبَ اللَهِ مِنهُ
كَأَنَّ اللَهَ لَم يُحصِ النِصابا
وَمَن يَعدِل بِحُبِّ اللَهِ شَيئاً
كَحُبِّ المالِ ضَلَّ هَوىً وَخابا
أَرادَ اللَهُ بِالفُقَراءِ بِرّاً
وَبِالأَيتامِ حُبّاً وَاِرتِبابا
فَرُبَّ صَغيرِ قَومٍ عَلَّموهُ
سَما وَحَمى المُسَوَّمَةَ العِرابا
وَكانَ لِقَومِهِ نَفعاً وَفَخراً
وَلَو تَرَكوهُ كانَ أَذىً وَعابا
فَعَلِّم ما اِستَطَعتَ لَعَلَّ جيلاً
سَيَأتي يُحدِثُ العَجَبَ العُجابا
وَلا تُرهِق شَبابَ الحَيِّ يَأساً
فَإِنَّ اليَأسَ يَختَرِمُ الشَبابا
يُريدُ الخالِقُ الرِزقَ اِشتِراكاً
وَإِن يَكُ خَصَّ أَقواماً وَحابى
فَما حَرَمَ المُجِدَّ جَنى يَدَيهِ
وَلا نَسِيَ الشَقِيَّ وَلا المُصابا
وَلَولا البُخلُ لَم يَهلِك فَريقٌ
عَلى الأَقدارِ تَلقاهُمُ غِضابا
تَعِبتُ بِأَهلِهِ لَوماً وَقَبلي
دُعاةُ البِرِّ قَد سَئِموا الخِطابا
وَلَو أَنّي خَطَبتُ عَلى جَمادٍ
فَجَرتُ بِهِ اليَنابيعَ العِذابا
أَلَم تَرَ لِلهَواءِ جَرى فَأَفضى
إِلى الأَكواخِ وَاِختَرَقَ القِبابا
وَأَنَّ الشَمسَ في الآفاقِ تَغشى
حِمى كِسرى كَما تَغشى اليَبابا
وَأَنَّ الماءَ تُروى الأُسدُ مِنهُ
وَيَشفي مِن تَلَعلُعِها الكِلابا
وَسَوّى اللَهُ بَينَكُمُ المَنايا
وَوَسَّدَكُم مَعَ الرُسلِ التُرابا
وَأَرسَلَ عائِلاً مِنكُم يَتيماً
دَنا مِن ذي الجَلالِ فَكانَ قابا
نَبِيُّ البِرِّ بَيَّنَهُ سَبيلاً
وَسَنَّ خِلالَهُ وَهَدى الشِعابا
تَفَرَّقَ بَعدَ عيسى الناسُ فيهِ
فَلَمّا جاءَ كانَ لَهُم مَتابا
وَشافي النَفسِ مِن نَزَعاتِ شَرٍّ
كَشافٍ مِن طَبائِعِها الذِئابا
وَكانَ بَيانُهُ لِلهَديِ سُبلاً
وَكانَت خَيلُهُ لِلحَقِّ غابا
وَعَلَّمَنا بِناءَ المَجدِ حَتّى
أَخَذنا إِمرَةَ الأَرضِ اِغتِصابا
وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي
وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا
وَما اِستَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ
إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُم رِكابا
تَجَلّى مَولِدُ الهادي وَعَمَّت
بَشائِرُهُ البَوادي وَالقِصابا
وَأَسدَت لِلبَرِيَّةِ بِنتُ وَهبٍ
يَداً بَيضاءَ طَوَّقَتِ الرِقابا
لَقَد وَضَعَتهُ وَهّاجاً مُنيراً
كَما تَلِدُ السَماواتُ الشِهابا
فَقامَ عَلى سَماءِ البَيتِ نوراً
يُضيءُ جِبالَ مَكَّةَ وَالنِقابا
وَضاعَت يَثرِبُ الفَيحاءُ مِسكاً
وَفاحَ القاعُ أَرجاءً وَطابا
أَبا الزَهراءِ قَد جاوَزتُ قَدري
بِمَدحِكَ بَيدَ أَنَّ لِيَ اِنتِسابا
فَما عَرَفَ البَلاغَةَ ذو بَيانٍ
إِذا لَم يَتَّخِذكَ لَهُ كِتابا
مَدَحتُ المالِكينَ فَزِدتُ قَدراً
فَحينَ مَدَحتُكَ اِقتَدتُ السَحابا
سَأَلتُ اللَهَ في أَبناءِ ديني
فَإِن تَكُنِ الوَسيلَةَ لي أَجابا
وَما لِلمُسلِمينَ سِواكَ حِصنٌ
إِذا ما الضَرُّ مَسَّهُمُ وَنابا
كَأَنَّ النَحسَ حينَ جَرى عَلَيهِم
أَطارَ بِكُلِّ مَملَكَةٍ غُرابا
وَلَو حَفَظوا سَبيلَكَ كان نوراً
وَكانَ مِنَ النُحوسِ لَهُم حِجابا
بَنَيتَ لَهُم مِنَ الأَخلاقِ رُكناً
فَخانوا الرُكنَ فَاِنهَدَمَ اِضطِرابا
وَكانَ جَنابُهُم فيها مَهيباً
وَلَلأَخلاقِ أَجدَرُ أَن تُهابا
فَلَولاها لَساوى اللَيثُ ذِئباً
وَساوى الصارِمُ الماضي قِرابا
فَإِن قُرِنَت مَكارِمُها بِعِلمٍ
تَذَلَّلَتِ العُلا بِهِما صِعابا
وَفي هَذا الزَمانِ مَسيحُ عِلمٍ
يَرُدُّ عَلى بَني الأُمَمِ الشَبابا
فكرة القصيدة بإيجاز
يكشف هذا المقتطف جانبًا من ثراء القصيدة؛ فهي تبدأ من خطاب القلب، ثم تنتقل إلى الحكمة، ثم ترتفع إلى معنى الإيمان بوصفه أساس الأمان والكرامة والحياة. وفي الأبيات الأولى يظهر القلب كأنه شاهد على تجربة حب وندم وتوبة، أما الأبيات اللاحقة فتفتح القصيدة على معنى أوسع، حيث لا تكون الحياة مجرد رغبة وأمنيات، بل جهادًا وإقدامًا وإيمانًا يضبط حركة الإنسان في الدنيا.
نبذة قصيرة عن الشاعر أحمد شوقي
أحمد شوقي هو أحد أعلام الشعر العربي الحديث، وواحد من أبرز شعراء مدرسة الإحياء، وقد اشتهر بلقب أمير الشعراء لما بلغته قصائده من قوة لغوية وموسيقية وبلاغية. كتب شوقي في أغراض كثيرة، منها الشعر الوطني، والمديح النبوي، والغزل، والرثاء، والحكمة، والمسرح الشعري، واستطاع أن يجمع بين أصالة القصيدة العربية القديمة وروح العصر الحديث.
وفي شعره الديني، برز شوقي شاعرًا قادرًا على تحويل المحبة النبوية إلى صور شعرية عالية، لا تعتمد على الثناء المباشر وحده، بل تجمع بين العاطفة الصادقة، والحكمة الأخلاقية، والرؤية الحضارية. ومن أشهر قصائده في هذا الباب: «ولد الهدى فالكائنات ضياء»، و«نهج البردة»، و«سلوا قلبي»، وهي قصائد تكشف تعلقه بمقام النبي صلى الله عليه وسلم، وإيمانه بأن الرسالة المحمدية ليست ذكرى تاريخية فحسب، بل نور أخلاقي وروحي يصلح الإنسان والمجتمع.
يمكنك قراءة المقال الكامل عن الشاعر هنا:
أحمد شوقي: أمير الشعراء في الأدب العربي الحديث
خاتمة قصيرة
تبقى قصيدة «سلوا قلبي» من أجمل قصائد أحمد شوقي الدينية والوجدانية، لأنها تجمع بين رقة القلب وسمو المعنى، وبين التوبة والحكمة والمديح النبوي. وقد استطاع شوقي أن يجعل من القلب مدخلًا إلى القصيدة، ومن مراجعة الهوى طريقًا إلى الهداية، ومن محبة النبي صلى الله عليه وسلم أفقًا أخلاقيًا وروحيًا يسمو بالإنسان فوق اضطراب الدنيا. ولذلك ظلت هذه القصيدة حاضرة في الذاكرة العربية، لما تحمله من جمال العبارة وصدق الشعور وعمق الدلالة.
قصائد أخرى لأحمد شوقي
- نص قصيدة يا جارة الوادي
- نص قصيدة قم للمعلم وفّه التبجيلا
- نص قصيدة وطني لو شغلت بالخلد عنه
- نص قصيدة ولد الهدى فالكائنات ضياء
- نص قصيدة نهج البردة
- نص قصيدة يا دمشق
- نص قصيدة رمضان ولى هاتها يا ساقي

