محمد الفيتوري

محتوى المقال
الشاعر الذي جعل الحرية صوتًا شعريًا
شاعرٌ جعل إفريقيا تتكلم بالعربية من داخل الجرح لا من خارجه
حين يُذكر محمد الفيتوري في تاريخ الشعر العربي الحديث، لا يُذكر بوصفه شاعرًا موهوبًا فحسب، بل بوصفه واحدًا من الأصوات التي نقلت إلى القصيدة العربية أفقًا لم يكن حاضرًا بهذا الوضوح من قبل: أفق إفريقيا السوداء، والهوية الممزقة بين العروبة والسواد، والحرية بوصفها قضية شعرية وأخلاقية ووجودية. وقد اشتهر الفيتوري في الوعي العربي بلقب شاعر إفريقيا والعروبة، كما ارتبط شعره مبكرًا بالنضال ضد الاستعمار وبالاحتفاء بالمقهورين والمهمشين، وبمزج الحس الإفريقي بالنبرة العربية الحديثة على نحو منحه فرادة واضحة بين أبناء جيله.
ولا تأتي أهمية الفيتوري من موضوعه وحده، بل من الطريقة التي حوّل بها هذا الموضوع إلى رؤية شعرية كاملة. فهو لم يكتب عن إفريقيا من موقع التعاطف البعيد، بل من موقع الانتماء الوجودي؛ ولم يكتب الحرية بوصفها شعارًا سياسيًا مجرّدًا، بل بوصفها شرطًا لكرامة الإنسان الأسود والعربي معًا. ولهذا ظل شعره قادرًا على أن يبدو معاصرًا حتى بعد عقود من صدوره، لأن قضاياه الكبرى — اللون، والاستعمار، والمنفى، والهوية، والعدالة — لم تفقد راهنيتها، ولأن لغته كانت مشدودة إلى الجرح الإنساني أكثر من ارتباطها بالمناسبة العارضة.
الميلاد والهوية الأولى
بين السودان وليبيا ومصر
تختلف بعض المصادر في سنة ميلاد محمد الفيتوري؛ فهناك من يورد سنة 1936، بينما تذكر بعض المواد العربية سنة 1930، بل إن الفيتوري نفسه نُقل عنه أنه لم يكن يجزم بسنة ميلاده بدقة. لكن أغلب المصادر الحديثة الموثوقة تميل إلى أنه وُلد في الجنينة على الحدود الغربية للسودان، وأن أسرته كانت خليطًا من أصول سودانية وليبية، مع أم مصرية بحسب بعض المصادر، أو أم ذات نسب عربي يمتد إلى الجزيرة العربية بحسب مصادر أخرى. وهذا التعدد في أصوله ليس هامشيًا، بل يفسر كثيرًا من حساسيته الشعرية اللاحقة، لأنه نشأ منذ البداية داخل هوية مركبة لا تنتمي إلى خط واحد صافٍ.
ولعل هذه البداية المركبة كانت من أعمق ما طبع شعره. فالفتي الذي وُلد في السودان، ونشأ في مصر، وحمل في دمه امتدادًا ليبيًا، وعاش لاحقًا في لبنان والمغرب وغيرها، لم يكن من السهل أن يكتب بهوية مغلقة أو قومية بسيطة. ولهذا بدا شعره منذ وقت مبكر مشدودًا إلى فكرة الانتماء المفتوح: هو شاعر عربي، لكنه أيضًا شاعر إفريقي؛ وهو ابن الثقافة العربية، لكنه يحمل في صوته أثر التاريخ الأسود ومعاناة الجسد الملون في عالم عربي لم يكن بريئًا دائمًا من التراتب اللوني والاجتماعي. وهذا ما منح قصيدته توترًا صادقًا لا يتوافر لكثير من الشعر الذي يكتب عن الهوية من خارج التجربة.
الطفولة في الإسكندرية
المدينة التي شكّلت وعيه المبكر
انتقل الفيتوري مع أسرته إلى مصر وهو في نحو الثالثة من عمره، وعاش طفولته وصباه في الإسكندرية، كما تشير عدة مصادر. وهناك تلقى تعليمه الأول، وتكوّن وعيه المبكر باللغة والمدينة والاختلاط الاجتماعي والثقافي. وتذكر بعض المراجع أنه عاش أيضًا فترة في الريف المصري هربًا من قصف الحرب العالمية الثانية، وهو ما أضاف إلى تجربته المبكرة إحساسًا بالحركة والاقتلاع وعدم الاستقرار. هذه الطفولة المصرية لا تقل أهمية عن مولده السوداني، لأن مصر كانت فضاء التكوين الحقيقي الذي منه دخل إلى التعليم والقراءة والكتابة والصحافة.
وكان لهذا التكوين السكندري أثر بعيد في شعره. فالإسكندرية ليست مدينة داخلية منغلقة، بل مدينة بحرية مفتوحة على العالم، تحمل في بنيتها أثر التعدد والاختلاط والرحيل. وهذا ملائم تمامًا لروح الفيتوري، الذي سيصبح لاحقًا شاعرًا للعبور والاغتراب والتشظي. لقد نشأ في مدينة لا تفرض عليه هوية مغلقة، بل تعلّمه منذ البداية أن الذات يمكن أن تكون متعددة الطبقات، وأن البحر والمدينة والوجوه المختلفة جزء من التجربة اليومية. ومن هنا لم يكن شعره شعراً قرويًا خالصًا ولا مدينيًا باردًا، بل شعرًا يحمل اتساع المرافئ وقلقها معًا.
التعليم
الأزهر والقاهرة وتكوين العقل الشعري
تشير المصادر المتاحة إلى أن الفيتوري درس في الأزهر في القاهرة، واشتغل هناك بالدراسات الإسلامية والفلسفة والتاريخ، ثم تابع دراسات في الأدب في جامعة القاهرة. وتذكر بعض المواد أنه لم يكمل تعليمه الجامعي على النحو التقليدي، لكن الثابت أنه حصل على تكوين معرفي واسع في العلوم الإسلامية والفكر والتاريخ والأدب، وهو ما يفسر حضور البعد الروحي والفلسفي في شعره إلى جانب الهمّ الإفريقي والسياسي. كما تؤكد بعض المصادر أن نزعة التصوف، التي ارتبطت بسيرة أبيه الصوفي، وجدت في هذا التكوين المصري ما يغذيها ويمنحها أفقًا أوسع.
ومن هنا نفهم لماذا لم يكن الفيتوري شاعر احتجاج فقط. صحيح أن صوته ارتبط بالثورة والتمرّد والهوية الإفريقية، لكن هذا كله كان يمر دائمًا عبر لغة مشبعة بنوع من التأمل الصوفي والوعي الفلسفي. فهو لا يصرخ في وجه العالم فحسب، بل يحاول أيضًا أن يمنح صراخه بعدًا روحيًا، وأن يجعل من الحرية سؤالًا يتجاوز السياسة إلى معنى الإنسان نفسه. ولهذا جاءت قصيدته مختلفة عن كثير من الشعر الاحتجاجي المباشر، لأنها ظلّت قادرة على الجمع بين النبرة الثورية والرؤية الداخلية، بين الهتاف والإنشاد، بين الرفض والبحث عن خلاص أعمق.
الصحافة
الشاعر الذي دخل الحياة العامة مبكرًا
بعد سنوات الدراسة عمل محمد الفيتوري صحفيًا ومحررًا أدبيًا في صحف مصرية وسودانية، وتذكر بعض المصادر أنه بدأ العمل في الصحافة مبكرًا جدًا، حتى وهو في سن صغيرة نسبيًا. كما عمل لاحقًا في المجال الإعلامي العربي، وشغل مناصب تتصل بالنشر والتحرير والثقافة، قبل أن ينتقل بعد ذلك إلى مهام دبلوماسية في المحيط الليبي والعربي. وهذه البداية الصحفية مهمة لأنها تكشف أن قصيدته لم تتشكل في عزلة أكاديمية، بل في تماس مباشر مع الحياة العامة، والكتابة اليومية، والناس، والسياسة، والخبر.
وقد منحت الصحافة شعره شيئًا أساسيًا: الإيقاع الحي للواقع. فالفيتوري لم يكن شاعر برج عاجي ولا شاعر تأمل خالص، بل شاعر يرى ما يحدث في الشارع وفي العالم، ويشعر أن القصيدة مطالبة بأن تدخل في هذا النسيج المضطرب. ولهذا لم تبدُ كتابته الإفريقية أو القومية محض تأمل نظري، بل خرجت من احتكاك حقيقي بالعالم وبصراعاته وبخطابه العام. ومن هنا أيضًا جاءت قدرة قصيدته على أن تظل مفهومة من غير تبسيط، وحارة من غير ابتذال، لأنها ظلت دائمًا قريبة من نبض الحياة اليومية حتى حين تتكلم بلهجة رمزية أو صوفية.
أغاني إفريقيا
البداية التي أعلنت المشروع كله
يُجمع عدد من المصادر على أن أول مجموعة شعرية بارزة للفيتوري كانت «أغاني إفريقيا»، وقد صدرت في الخمسينيات، وغالبًا ما يُشار إلى سنة 1956 بوصفها سنة النشر الأشهر. وتؤكد هذه المصادر أن هذا الديوان المبكر لم يكن مجرد تجربة أولى، بل لحظة إعلان حقيقية عن صوته الشعري، لأنه جعل من إفريقيا، بما فيها من ألم ومقاومة وذاكرة عبودية واستعمار، مادةً مركزية في الشعر العربي الحديث. لقد خرج الفيتوري من تقاليد الغزل والمديح والهمّ الفردي التقليدي إلى كتابة قارة كاملة، وكتابة السواد واللون والعبودية والتمرّد من داخل العربية.
ولا تكمن أهمية هذا الديوان في أسبقيته الموضوعية فقط، بل في أن الفيتوري جعل من إفريقيا رؤية لا موضوعًا. فهو لا يصف القارة من الخارج، ولا يحوّلها إلى خلفية جغرافية، بل يتكلم منها وباسمها ومن داخل جرحها. وهذا ما جعل شعره مختلفًا عن كثير من الكتابة العربية عن إفريقيا، التي كانت غالبًا كتابة استعجاب أو تعاطف أو تجاور. أما عند الفيتوري فإفريقيا تدخل القصيدة بوصفها ذاتًا تاريخية وحضارية مقهورة تبحث عن صوتها وعن نهضتها وعن حقها في أن تقول نفسها. ومن هنا بدأ اسمه يقترن مبكرًا بقضية اللون والهوية والتحرر، لا بوصفه شاعرًا “إفريقي الموضوع” فقط، بل بوصفه شاعرًا إفريقي الرؤية أيضًا.
شاعر السواد والهوية
ما الذي فعله الفيتوري بالعربية؟
أهم ما فعله محمد الفيتوري بالشعر العربي أنه أدخل إليه، من داخل لغته الفصحى نفسها، تجربة السواد الإفريقي بوصفها تجربة كرامة وجرح وثورة. فقصيدته كثيرًا ما تعود إلى العبودية والتمييز واللون والمهانة التاريخية، لكنها لا تعود إليها من أجل الشكوى وحدها، بل من أجل قلب الصورة: تحويل ما كان يُنظر إليه بوصفه نقصًا أو هامشًا إلى مركز للقول والجمال والاحتجاج. وقد لفت دارسون إلى أن الفيتوري يلتقي هنا، من بعض الوجوه، مع أصوات سوداء عالمية مثل لانغستون هيوز، لأن شعره يعيد كتابة التاريخ من جهة المضطهدين لا من جهة المنتصرين.
ومن هنا جاءت فرادته داخل العربية. فالعربية، بوصفها لغة ثقافية مركزية في العالم العربي، لم تكن قد استقبلت قبل الفيتوري، بهذا الوضوح، صوتًا يجعل من الذات السوداء العربية والإفريقية محورًا للقصيدة. لقد فتح لها بابًا جديدًا، وجعلها قادرة على أن تستوعب هذا الصوت من غير أن تفقد طاقتها البلاغية أو إيقاعها الحديث. وهذا ما يفسر أن شعره بدا، في آن واحد، عربيًا تمامًا وإفريقيًا تمامًا؛ فلا هو تنازل عن العربية، ولا هو ذاب فيها على حساب التجربة السوداء، بل صنع توترًا خصبًا بينهما. وهذا التوتر نفسه هو سر بقائه.
الشعر الحر والحداثة
هل كان الفيتوري من روادها؟
تُقدّم بعض المصادر محمد الفيتوري بوصفه من رواد الشعر الحر الحديث، وتربطه مباشرة بحركة تحديث القصيدة العربية في الخمسينيات والستينيات. وهذا التوصيف لا يعني أنه كان المنظّر الأول لهذا الشكل على طريقة نازك الملائكة، لكنه يعني أن قصيدته انخرطت مبكرًا في حركة التحرر من الصرامة التقليدية للبيت الخليلي، وأنه استخدم الإيقاع الحر ليحمل موضوعات كبرى مثل إفريقيا والعبودية والثورة والحرية. وقد ساعدته هذه المرونة الإيقاعية على بناء قصيدة أكثر اتساعًا واندفاعًا وحوارًا مع العصر.
غير أن حداثته لا تختزل في الشكل وحده. فما يميز الفيتوري حقًا هو أنه جعل الحداثة الشعرية العربية أقل تعلقًا بالمختبرات الشكلية الصافية، وأكثر اتصالًا بالإنسان المقهور. فهو لم يحدّث القصيدة كي يبرهن على براعة تقنية فقط، بل كي يمنحها قدرة على قول ما لم تكن البنية القديمة تستوعبه بالكثافة نفسها: صوت الأسود، وصوت إفريقيا، وصوت المنفي، وصوت العربي المكسور بين قارات وهويات عدة. ولهذا كانت حداثته مشدودة دائمًا إلى قضية، لكن من غير أن تتحول إلى خطاب سياسي مجرد.
أعماله
من “عاشق من إفريقيا” إلى “قوس الليل”
ترك محمد الفيتوري عددًا كبيرًا من الدواوين والأعمال، وتشير مصادر موثوقة إلى عناوين بارزة مثل «أغاني إفريقيا»، و**«عاشق من إفريقيا»، و«اذكريني يا إفريقيا»، و«أحزان إفريقيا»، و«معزوفة لدرويش متجول»، و«البطل والثورة والمشنقة»، و«أقوال شاهد إثبات»، و«ابتسمي حتى تمرّ الخيل»، و«عصفورة الدم»، و«شرق الشمس غرب القمر»، و«قوس الليل.. قوس النهار»، و«يأتي العاشقون إليك»**. كما كتب مسرحية «ثورة عمر المختار» وكتبًا ودراسات في الصحافة. وهذا يدل على أن مشروعه لم يكن محدودًا بمرحلة واحدة أو بموضوع واحد، بل اتخذ مسارات متعددة داخل التجربة نفسها.
وإذا تأملنا هذه العناوين بوصفها خريطةً داخلية لمساره، وجدنا أنها تكشف تحولات واضحة: من التركيز على إفريقيا في البدايات، إلى توسيع الأفق نحو الدرويش المتجول والمنفى والرحلة، ثم نحو الثورة والدم والتاريخ، ثم إلى نصوص تحمل نبرة أكثر عشقًا وتأملًا في مراحل لاحقة. وهذا المسار يؤكد أن الفيتوري لم يكن شاعر قضية واحدة جامدة، بل شاعرًا تطورت أدواته ودوائره، مع احتفاظه بالخيط الأساس: الحرية والهوية والكرامة. وحتى حين كتب الحب أو الغناء أو الرحيل، ظل هذا الخيط حاضرًا في العمق.
- أنا زنجي
- من أغاني أفريقيا
- ليس طفلاً وحجارة
- التراب المقدس
- قصيدة الرياح
- أغاني إفريقيا (أول دواوينه، 1955)
- عاشق من إفريقيا (1964)
- إذكريني يا إفريقيا (1965)
- أحزان إفريقيا (1966)
- البطل والثورة والمشنقة (1968)
- سقوط دبشليم (1969)
- سولارا (مسرحية شعرية) (1970)
- معزوقة درويش متجول (1971)
- ثورة عمر المختار (1973)
- أقوال شاهد إثبات
- ابتسمي حتى تمر الخيل (1975)
- عصفورة الدم (1983)
- شرق الشمس… غرب القمر (1985)
- يأتي العاشقون إليك (1989)
- قوس الليل… قوس النهار (1994)
- أغصان الليل عليك
- يوسف بن تاشفين (مسرحية) (1997)
- الشاعر واللعبة (مسرحية) (1997)
- نار في رماد الأشياء
- عريانا يرقص في الشمس (2005)
العمل الدبلوماسي والسياسي
الشاعر داخل المؤسسة وخارجها
إلى جانب الصحافة، شغل الفيتوري مناصب ثقافية ودبلوماسية، وتذكر المصادر أنه عمل خبيرًا إعلاميًا في الجامعة العربية بين 1968 و1970، ثم عمل مستشارًا ثقافيًا في السفارة الليبية في إيطاليا، ثم مستشارًا وسفيرًا في السفارة الليبية ببيروت، ثم مستشارًا سياسيًا وإعلاميًا في سفارة ليبيا بالمغرب. وهذا الحضور المؤسسي يوضح أن الفيتوري لم يكن شاعرًا هامشيًا بالكامل، بل دخل أيضًا في شبكات الدولة والسياسة والثقافة العربية الرسمية.
لكن هذا المسار لم يلغِ توتره مع السلطة. فبحسب رويترز، أسقطت عنه الحكومة السودانية الجنسية سنة 1974 بسبب معارضته لنظام جعفر النميري، ثم أعيدت إليه الجنسية وجواز السفر الدبلوماسي سنة 2014. كما أشارت مصادر عربية إلى أن علاقته بالنظم العربية كانت موضع نقاش، بسبب مواقفه من أنظمة مختلفة، ومنها نظام القذافي. وهذه التوترات تكشف أن الشاعر الذي كتب الحرية لم يعش خارج تعقيداتها الواقعية؛ فقد كان قريبًا من المؤسسة في بعض المراحل، ومصطدمًا بها في مراحل أخرى، وهو ما يجعل سيرته أكثر التباسًا وثراءً من صورة الشاعر-الرمز البسيطة.
لبنان والمغرب
الشاعر الدرويش في المنافي العربية
عاش الفيتوري في بلدان عربية متعددة، لكن بعض المقالات تشير إلى أنه أحب لبنان على نحو خاص، وأنه كتب من وحيه عدة دواوين، منها «معزوفة لدرويش متجول» و«ابتسمي حتى تمر الخيل» و«عصفورة الدم» و«شرق الشمس غرب القمر». كما أقام سنواته الأخيرة في المغرب، في ضاحية سيدي العابد قرب الرباط، حتى وفاته. وهذا يعني أن المنفى عنده لم يكن نفيًا واحدًا، بل سلسلة من الإقامات والعبورات التي جعلت شخصيته الشعرية أقرب إلى صورة الدرويش الجوال، وهي صورة تليق جدًا بأحد أشهر عناوينه.
ولعل هذا يفسر لماذا بدا شعره أقل ارتباطًا بحدود وطن واحد مغلق، وأكثر تعلقًا بما يمكن تسميته الوطن الشعري المتحرك. فهو سوداني المولد، مصري التكوين، ليبي الصلة الأسرية والمؤسسية، لبناني الإقامة والحب، مغربي الخاتمة. وهذه الشبكة من المنافي والبيوت المؤقتة جعلت قصيدته أكثر حساسية تجاه فكرة البيت الضائع أو الموزع، وجعلت الحرية عنده ليست فقط مطلبًا سياسيًا، بل حاجة وجودية إلى مكان لا يتحول إلى قيد.
المرض والوفاة
خاتمة شاعر المنفى الطويل
توفي محمد الفيتوري في الرباط يوم 24 أبريل 2015 بعد معاناة طويلة مع المرض، كما تؤكد رويترز والجزيرة. وتختلف المصادر في العمر المذكور عند الوفاة، بين 79 و85، وهو اختلاف مرتبط أساسًا بتضارب سنة الميلاد في بعض السير، لكن الثابت أنه أمضى سنواته الأخيرة في المغرب في وضع صحي صعب. وبوفاته انطفأ جسد شاعر ظل يتنقل بين العواصم والأوطان والرايات، لكن صوته بقي حاضرًا في الذاكرة العربية والإفريقية بوصفه أحد أكثر الأصوات التصاقًا بقضية التحرر والكرامة.
ومن اللافت أن موته لم يُقرأ بوصفه نهاية شاعر فقط، بل نهاية رحلة طويلة من الارتحال والاغتراب. فقد كان الفيتوري، في سنواته الأخيرة، رمزًا لشاعر عربي كبير حمل أكثر من هوية وأكثر من جرح، وانتهى إلى مدينة بعيدة عن مولده الأول. وربما لهذا السبب ظل حضوره بعد الموت قويًا؛ لأن قصته، مثل شعره، بدت أكبر من السيرة الفردية، وأقرب إلى مصير جيل كامل من الشعراء العرب الذين عاشوا بين الثورات والهزائم والمنافي والأنظمة والعواصم.
خاتمة
لماذا يستحق محمد الفيتوري هذا الموقع المحوري؟
يستحق محمد الفيتوري موقعًا محوريًا في قسم الشعراء لأنه واحد من الأسماء التي لم تضف إلى الشعر العربي موضوعًا جديدًا فقط، بل أضافت إليه جهةً جديدةً للرؤية. لقد جعل من إفريقيا قلبًا في القصيدة العربية، ومن السواد تجربة شعرية عالية، ومن الحرية مبدأً أخلاقيًا وفنيًا، ومن المنفى شكلًا للهوية لا مجرد حادثة عابرة. كما أنه مزج بين الرؤية الإفريقية والعربية، وبين الصوفية والثورة، وبين الصحافة والقصيدة، وبين المؤسسة والتمرد، فخرج مشروعه أكثر تعقيدًا وصدقًا من أي تصنيف مبسط.
ولهذا فإن الكتابة عن الفيتوري ليست استعادة لسيرة شاعر معروف فقط، بل عودة إلى لحظة مهمة في تطور الشعر العربي الحديث: اللحظة التي صار فيها بإمكان القصيدة العربية أن تنطق باسم المقهور الإفريقي والعربي معًا، وأن ترفع صوتهما في لغة واحدة. ومن هنا يبقى محمد الفيتوري شاعرًا لا يُقرأ للتاريخ فقط، بل لأنه ما يزال، حتى اليوم، يذكّرنا بأن الشعر يمكن أن يكون وطنًا للمستبعدين، وذاكرةً للمظلومين، وجرسًا لا يتعب من ترديد كلمة الحرية.








