إدريس جماع

محتوى المقال
الشاعر الذي احترق قلبه ليكتب الشعر
شاعرٌ اختصر الحزن والجمال في صوت واحد
حين يُذكر الشعر السوداني الحديث، يبرز اسم إدريس جماع بوصفه أحد أكثر الأصوات صفاءً ووجعًا وتأثيرًا. فقد وُلد سنة 1922 في حلفاية الملوك شمال الخرطوم، وعاش حياة قصيرة نسبيًا انتهت سنة 1980، لكنه ترك أثرًا أكبر بكثير من عدد كتبه؛ إذ لم يصدر له في حياته سوى ديوان واحد هو «لحظات باقية» سنة 1969، ومع ذلك ظل اسمه حيًا في الذاكرة السودانية والعربية بفضل غنائية شعره، وشفافية حزنه، ورقّة لغته، وصدقه الإنساني. وتصفه بعض المراجع الحديثة بأنه من أشهر شعراء الفصحى في السودان، كما تؤكد دراسات أدبية أن له مكانة معتبرة في الأدب السوداني الحديث، وأن شعره جمع بين الحس الإنساني والوطني معًا.
ولا يعود حضور إدريس جماع إلى قصة حياته المؤلمة فقط، ولا إلى الأساطير التي نُسجت حول مرضه في سنواته الأخيرة، بل إلى أن قصيدته نفسها كانت قادرة على أن تمس القارئ مباشرة. فهو شاعر يكتب الحزن من غير عويل، والجمال من غير تصنّع، والحب من غير افتعال بلاغي ثقيل. ولهذا استحق أن يوصف عند بعض القرّاء بـ “شاعر الجمال”، كما ظل قريبًا من الذائقة العامة على الرغم من وفائه للشعر العمودي، لأن لغته لم تكن متكلّفة ولا متعالية، بل كانت مشبعة بالعاطفة والصفاء والجرح الإنساني العميق.
النشأة والميلاد
حلفاية الملوك بوصفها الجذر الأول
وُلد إدريس محمد بن جماع بن ناصر بن الأمين بن مسمار في حلفاية الملوك سنة 1922، ونشأ في بيت معروف في المنطقة، وتنسبه بعض المصادر إلى قبيلة العبدلاب. وقد حفظ القرآن الكريم في الكتّاب على يد الشيخ محمد نور إبراهيم قبل أن يبدأ تعليمه النظامي. وهذه البداية ليست تفصيلًا بسيطًا في سيرته، لأن الحفظ القرآني المبكر منح لغته رنينًا خاصًا، كما أن النشأة في بيئة سودانية أصيلة، مشدودة إلى الدين واللغة والقرابة والمكان، ظلت واضحة في شعره، حتى حين ذهب لاحقًا إلى مصر أو عاش في مدن السودان المختلفة.
ومن المهم أن نلاحظ أن حلفاية الملوك لم تكن عنده مجرد مكان ولادة، بل بقيت خلفية شعورية ومعنوية كامنة في تجربته. فالشاعر الذي يبدأ من بيئة قريبة من النيل والذاكرة الشعبية والقرآن، لا يخرج من هذه العناصر خروجًا كاملًا حتى لو دخل لاحقًا عالم التعليم الحديث والمدينة والاغتراب. ولهذا يمكن القول إن إدريس جماع ظل، في كثير من شعره، ابن هذه البداية: رقيقًا في لغته، قريبًا من الإنشاد، ومشدودًا إلى صفاء داخلي يبدو كأنه خارج من تربية دينية ولغوية عميقة، لا من مجرد موهبة عابرة. هذا استنتاج نقدي مبني على معطيات سيرته التعليمية واللغوية المبكرة.
التعليم
من أم درمان إلى بخت الرضا
بعد الكتّاب، التحق إدريس جماع بالمدرسة الأولى، ثم تابع دراسته في مدرسة أم درمان الوسطى سنة 1934، قبل أن تعوقه المشكلات المادية عن الاستمرار هناك فترة، ثم ينضم سنة 1936 إلى كلية المعلمين ببخت الرضا، وهي واحدة من أهم المؤسسات التعليمية في السودان الحديث. وتذكر المصادر المتاحة أنه تخرج فيها، ثم بدأ العمل في سلك التعليم. وهذه المحطة شديدة الأهمية، لأن بخت الرضا لم تكن مجرد مؤسسة لإعداد المعلمين، بل كانت فضاءً لصياغة جيل جديد من المتعلمين السودانيين الذين جمعوا بين الفصحى والتعليم الحديث والانفتاح على مشروعات النهضة والتحديث.
ومن هنا يمكن فهم كيف تبلورت شخصية جماع بين ركنين: التراث اللغوي والديني الذي أخذه من الكتّاب والبيت، والتعليم الحديث الذي أخذه من مؤسسات مثل أم درمان الوسطى وبخت الرضا. هذا التكوين المزدوج هو ما منح شعره لاحقًا طابعه الخاص: وفاء للعمود العربي في بنيته، لكن مع حساسية حديثة في الموضوع واللغة النفسية والتجربة الشخصية. ولذلك لا يبدو جماع شاعرًا تقليديًا بالمفهوم المدرسي الضيق، كما لا يبدو شاعرًا حداثيًا منفصلًا عن الجذر. إنه يقف في منطقة وسطى خصبة، بين الأصول الموروثة والحس المعاصر. هذا أيضًا استنتاج تحليلي يستند إلى مسار تعليمه وطبيعة شعره كما تصفه المراجع.
التدريس والعمل
الشاعر المعلّم
بعد تخرجه عمل إدريس جماع مدرسًا؛ فقد عُيّن سنة 1941 في مدرسة تنقسي الجزيرة، ثم انتقل إلى الخرطوم الأولية، ثم إلى حلفاية الملوك سنة 1944. وهذه الوظيفة التعليمية ليست مجرد عمل وظيفي في سيرته، بل هي جزء من صورته الكاملة. فإدريس جماع لم يكن شاعرًا معزولًا عن الناس ولا ابن برج ثقافي بعيد، بل كان معلّمًا يعيش بين التلاميذ والمدارس والبلدات السودانية، ويرى المجتمع من الداخل، لا من وراء الخطابة العامة. ومن هنا اكتسب شعره ذلك القدر من الصدق والقرب من الحياة اليومية ومن وجدان الناس.
ولعل في مهنة التعليم ما يفسر شيئًا من نبرته أيضًا. فالمعلّم يعيش دائمًا بين المثال والواقع: بين اللغة التي يريد أن يغرسها في الآخرين، والحياة التي تكشف له حدود البشر وضعفهم وهشاشتهم. ولذلك يبدو في شعر جماع ميل واضح إلى الوضوح الصافي من غير تسطيح، وإلى الحكمة الرقيقة من غير مباشرة ثقيلة. لقد ظل قريبًا من التعليم واللغة والفصحى المنظمة، لكن قلبه لم يفقد حساسيته الفردية الموجوعة، فاجتمع في قصيدته شيء من المعلم، وشيء من العاشق، وشيء من الإنسان المنكسر. وهذا ما يمنح شعره توازنًا نادرًا بين العفوية والانضباط. هذا تحليل مبني على طبيعة عمله وسمات شعره كما تصفها المراجع.
مصر
التوسع العلمي واللغوي
في سنة 1947 استقال إدريس جماع من وزارة المعارف في السودان وهاجر إلى مصر، وهناك التحق أولًا بـ معهد المعلمين في الزيتون، ثم بـ دار العلوم، وحصل سنة 1951 على ليسانس اللغة العربية وآدابها والدراسات الإسلامية، ثم نال بعد ذلك دبلومًا تربويًا سنة 1952. وهذه المرحلة المصرية تعني أن جماع لم يكتفِ بالتعليم الأولي أو المحلي، بل ذهب إلى واحد من أهم المراكز العربية في دراسة العربية وآدابها، وهو ما رسخ تكوينه اللغوي والأدبي على نحو أعمق.
وأثر هذه المرحلة يتجاوز الشهادة الجامعية نفسها. فدار العلوم في ذلك الزمن لم تكن مجرد كلية، بل كانت بيئة تتقاطع فيها مناهج التراث، والنقد الحديث، والدرس اللغوي، والشعر العربي الكلاسيكي والحديث. لذلك يمكن القول إن إقامة جماع في مصر ساعدته على صقل موهبته، وجعلته أكثر اتصالًا بالعربية الفصيحة في مستواها الأكاديمي الرفيع، من غير أن تقطعه عن حسه السوداني الخاص. وهذه النقطة مهمة جدًا، لأن أحد أسرار شعره أنه يجمع بين العذوبة والطهارة اللغوية؛ فهو شاعر رقيق، لكنه ليس شاعر فطرة عفوية فقط، بل شاعر يملك عدة لغوية متينة. وهذا ما تؤكده أيضًا المراجع التي تصفه بأنه متمكن من لغته وأسلوبه.
العودة إلى السودان
الشاعر والناظر إلى الحياة من الداخل
بعد تخرجه عاد إلى السودان وعُيّن سنة 1952 مدرسًا في معهد التربية في شندي، ثم نُقل إلى بخت الرضا سنة 1955، ثم عاد إلى الخرطوم وإلى الخرطوم بحري الوسطى سنة 1956. وهذه التنقلات المهنية تكشف عن مسار حياة يبدو في الظاهر هادئًا ومنظمًا، لكنه في العمق كان يخفي توترًا نفسيًا كبيرًا، لأن إدريس جماع لم يكن موظفًا باردًا، بل كان روحًا شديدة الحساسية والالتقاط والانفعال. وحين يجتمع هذا القدر من الرهافة مع حياة عملية مرهقة، ومجتمع يضغط على الفرد بأشكاله المختلفة، تتكون تلك الطبقة الحزينة التي سنجدها واضحة في شعره.
وفي هذه المرحلة، تبلور إدريس جماع بوصفه شاعرًا معروفًا في السودان، لا لأن إنتاجه كان غزيرًا، بل لأن القصيدة عنده كانت تصيب القلب مباشرة. فهو لم يكن يكتب بغزارة أسماء كثيرة من مجايليه، ولم يخلّف دواوين متعددة، لكن ما كتبه كان كافيًا ليصنع له مكانة واضحة. وهنا تظهر مفارقة أساسية في سيرته: شاعر قليل الإنتاج نسبيًا، شديد الأثر. وهذه المفارقة نفسها جزء من فرادته، لأن بعض الشعراء يتركون عشرات الكتب ثم لا يبقى منهم إلا قليل، بينما ترك جماع ديوانًا واحدًا تقريبًا، وبقي اسمه حيًا بفضل قوة النبرة وشفافية الإحساس.
«لحظات باقية»
الديوان الوحيد الذي حمل اسمه
أشهر أعمال إدريس جماع، بل عمله المطبوع الأساسي الوحيد، هو ديوان «لحظات باقية» الذي صدر سنة 1969. وتجمع المصادر على أن هذا الديوان جمعه أصدقاؤه وأقاربه بسبب ظروفه الصحية الصعبة، وأنه يضم خلاصة تجربته الشعرية. وتشير بعض المراجع إلى أن الديوان ظل مرجعًا أساسيا لكل من يريد قراءة الشاعر، لأنه لم ينشر في حياته دواوين متتالية كما فعل غيره، بل تركز إرثه الشعري في هذا الكتاب وما لحقه من قصائد متفرقة.
وما يلفت في عنوان الديوان نفسه، «لحظات باقية»، أنه يكاد يختصر طبيعة تجربته كلها. فالشاعر الذي عاش حياة قصيرة نسبيًا، ومرّ بأحوال نفسية صعبة، لم يقدّم للعالم مشروعًا موسوعيًا طويلًا، بل أعطاه لحظات، لكنها بقيت. وهذه البقاء ليس بفضل الحكاية التراجيدية وحدها، بل لأن القصيدة عنده امتلكت فعلًا ما يجعلها تستحق البقاء: الصدق، واللغة المرهفة، والحزن الشفيف، والعاطفة المخلصة، والقدرة على التقاط الجمال حتى من قلب المعاناة. ولهذا ظل الديوان الواحد كافيًا لتثبيت اسمه في الشعر السوداني الحديث.
تجربة الشعر
الغنائية والحزن الشفيف
تتفق المصادر المتاحة على أن شعر إدريس جماع يمتاز بـ غنائية مفرطة ولغة جميلة وحزن شفيف. وتصفه بعض المراجع بأنه شاعر واقعي، متمكن من لغته، تتسم قصائده بالتأمل والعمق الذي اكتسبه من تجاربه القاسية، كما تؤكد أنه ظل وفيًا للشعر العمودي حتى النهاية، وكان ضد الغموض والإبهام. وهذه السمات تجعلنا أمام شاعر واضح الانتماء الفني: لا يراهن على التجريب الغامض، ولا على قصيدة التفعيلة أو النثر، بل يكتب ضمن العمود، لكنه يحمّله حساسية رومانسية وتأملًا واقعيًا وإنسانيًا معًا.
وهنا تكمن إحدى خصوصياته. فالكثير من الشعر العمودي في القرن العشرين سقط في التقليد المدرسي، لكن جماع استطاع أن يظل كلاسيكي البناء، حديث الإحساس. فهو لا يرفض العمود لأنه قديم، ولا يتشبث به لأنه ماضٍ مجيد فحسب، بل لأنه وجد فيه أداة مناسبة لصوته. غير أن هذه الأداة لا تمنعه من أن يكون شاعرًا حديثًا في عمق التجربة: في الإحساس بالفقد، وفي رقّة الشكوى، وفي انفتاحه على الحب والوطن والإنسانية والجمال. ومن هنا بدا شعره قريبًا من الرومانسية، لكنه لم يكن رومانسية حالمة ساذجة، بل رومانسية جريحة، تعبر عن ذات مهددة ومأزومة، من دون أن تتخلى عن إيمانها بالجمال. هذا استنتاج نقدي يسنده وصف المصادر لسمات شعره.
شاعر الجمال والوجدان
كثيرًا ما يُقدَّم إدريس جماع بوصفه شاعر الجمال والوجدان، وهذا الوصف ليس مجرد لقب صحفي. فقصيدته تنظر إلى العالم من زاوية جمالية شديدة الحساسية، حتى حين تكتب الحزن. ومن أشهر النصوص التي تثبت ذلك قصيدته التي غُنّيت بعنوان «أنت السماء»، وقد أشار إليها مقال في ديوان العرب بوصفها من قصائده الأشهر المتداولة. كما تشير المراجع إلى أن عددًا من المطربين السودانيين تغنوا بقصائده، وهو ما يدل على أن شعره كان بطبيعته قابلاً للغناء والانتشار، بسبب صفاء نبرته الداخلية وموسيقاه الهادئة.
لكن معنى “الجمال” عند جماع أعمق من وصف المحبوب أو التغني بالحسن. إن الجمال في شعره يبدو غالبًا كأنه ملاذ ضد قسوة العالم. فهو شاعر يرى في الجمال إمكانية خلاص مؤقت من الشقاء، لا زخرفة خارجية للحياة. ولهذا يكثر في شعره الوله بالصفاء والضياء والملامح الرقيقة والصور الشفافة، كأن القصيدة تريد أن تنقذ الإنسان، ولو لحظة واحدة، من ثقل الواقع. ومن هنا يقترب شعره من التجاني يوسف بشير في الحساسية والرهافة، كما تذكر بعض المراجع، لكن من دون أن يذوب فيه أو يكرره.
الوطنية والهم العربي
على الرغم من شهرة إدريس جماع بوصفه شاعر جمال وحب، فإن شعره لم ينغلق على الذات أو العاطفة الفردية. فالمراجع التي تناولت أسلوبه وموضوعاته تشير إلى أنه كتب عن الوطن والحرية والكرامة، وربط السودان بأمته العربية والإسلامية، وكتب عن مصر وفلسطين والجزائر. كما يبين ملخص دراسة أكاديمية عن تجليات الوطن في شعر إدريس جماع أنه حظي بمكانة معتبرة في الأدب السوداني الحديث، وأن قصيدته «الفجر الصادق» بشّرت أهل السودان بمقدم الحرية. وهذا يدل على أن جماع لم يكن شاعرًا ذاتيًا صرفًا، بل كان يحتفظ في قصيدته بمساحة واضحة للهم العام.
غير أن الوطنية عنده لم تكن خطابية ثقيلة. لم يكن من الشعراء الذين يحولون القصيدة إلى منشور سياسي، بل كان يكتب الوطن من داخل العاطفة واللغة، لا من خارجها. ولذلك ظل شعره الوطني محتفظًا بشفافيته الجمالية، ولم يتحول إلى شعارات جافة. وهذه نقطة مهمة، لأنها تفسر لماذا بقيت بعض أبياته الوطنية قابلة للتذكر، بينما ضاع كثير من الشعر السياسي المباشر الذي كتب في الزمن نفسه. لقد عرف جماع كيف يوازن بين الوجدان والرسالة، بين رقّة العبارة وصدق الانتماء. وهذا ما منحه بعدًا عربيًا وإسلاميًا أوسع من حدود السودان، من غير أن يفقد خصوصيته المحلية.
من أعماله
- ديوان لحظات باقية
- قصيدة أعلى الجمال تغار منا
- قصيدة هذه الموجة
- قصيدة شاء الهوى أم شئت أنت
- قصيدة في ربيع الحب
- قصيدة يا رفيقة
- قصائد في الغزل العفيف
- قصائد في التأمل الوجداني
المرض والسنوات الأخيرة
السيرة المأساوية وحدودها
ارتبط اسم إدريس جماع في الذاكرة الشعبية بسيرة مؤلمة عن المرض النفسي أو اضطراب الوعي في آخر حياته، حتى إن كثيرًا من الحكايات الشعبية طغت أحيانًا على شعره نفسه. والمصادر الأكثر تحفظًا تصف الأمر بأنه وعكة صحية شديدة أو اضطراب في الوعي في سنواته الأخيرة، وتذكر أن هذا كان أحد أسباب عدم تمكنه من جمع شعره بنفسه، فقام بذلك أصدقاؤه وأقاربه. ومن المهم هنا التمييز بين الوقائع الأساسية الثابتة وبين القصص المتداولة التي وسعتها المخيلة الشعبية أحيانًا.
غير أن المأساة الصحية، مهما كان توصيفها الدقيق، لا تكفي وحدها لشرح شعره، ولا ينبغي أن تتحول إلى مركز القراءة. فإدريس جماع ليس “الشاعر الذي مرض” فقط، بل الشاعر الذي كتب جمالًا حقيقيًا، والمرض جزء من سيرته لا كلّها. صحيح أن تجاربه القاسية تركت أثرًا واضحًا في نبرة الحزن والتأمل في شعره، لكن قيمته الأدبية لا تقوم على الشفقة، بل على الجودة الفنية والصدق العاطفي والقدرة على اختزال الشقاء في لغة مضيئة. وهذه نقطة أساسية في إنصافه: أن يُقرأ بوصفه شاعرًا كبيرًا أولًا، لا بوصفه سيرة حزينة فقط. هذا استنتاج نقدي تؤيده طبيعة تلقي شعره وملاحظات المصادر على صفة الحزن والتأمل فيه.
مكانته في الأدب السوداني
تشير الدراسات والملخصات المرجعية إلى أن إدريس جماع حظي بمكانة كبيرة في الأدب السوداني الحديث، وأنه كان صادقًا وأمينًا في شعره وموقفه من الآخرين، كما جاء في ملخص دراسة عن الوطن في شعره. وتؤكد مراجع أخرى أنه من أقرب الشعراء إلى مدرسة التجاني يوسف بشير من حيث الغنائية والرهافة، لكنه حافظ على شخصيته الخاصة. كما أن إدراج بعض قصائده في المناهج السودانية، وغناء عدد من نصوصه، كل ذلك يدل على أن حضوره لم يكن حضور شاعر نخبوي ضيق، بل شاعر عبر من النخبة إلى الذاكرة العامة.
ومن هنا يمكن القول إن جماع يمثل في الشعر السوداني الحديث نقطة توازن نادرة: فهو ليس شاعرًا تراثيًا تقليديًا جامدًا، وليس شاعرًا حداثيًا منفصلًا عن الذائقة العامة، بل شاعر استطاع أن يجعل العمود العربي وعاءً لتجربة حديثة ومؤثرة، وأن يبقي القصيدة قريبة من الناس من غير أن يفقدها قيمتها الفنية. وهذه القدرة هي ما يجعل مكانته ثابتة، حتى مع قلة إنتاجه، وحتى مع ظلال الحكاية المأساوية التي أحاطت بآخر عمره.
خاتمة
لماذا يستحق إدريس جماع مقالًا محوريًا؟
يستحق إدريس جماع مقالًا محوريًا لأنه واحد من الشعراء الذين يُثبتون أن عظمة الشاعر لا تُقاس دائمًا بغزارة الإنتاج، بل بنوعية الأثر. لقد ولد في حلفاية الملوك سنة 1922، وحفظ القرآن، ودرس في أم درمان وبخت الرضا ودار العلوم، وعمل معلمًا، وكتب ديوانًا واحدًا تقريبًا بقي أصدق من كثير من المشاريع الشعرية الضخمة، ثم رحل سنة 1980 تاركًا وراءه اسمًا ما يزال يلمع في السودان والعالم العربي بوصفه شاعرًا للجمال والحزن والصفاء والوطن.
ولذلك فإن الحديث عن إدريس جماع ليس حديثًا عن شاعر منسي نستدعيه من باب الوفاء فقط، بل عن شاعر ما تزال قصيدته قادرة على أن تمسّ قارئها بصدق نادر. في شعره نرى كيف يمكن للحزن أن يكون شفيفًا لا مظلمًا، وكيف يمكن للغة الكلاسيكية أن تكون رقيقة وحديثة معًا، وكيف يمكن للشاعر أن يختصر عمرًا كاملًا في لحظات باقية حقًا. ومن هنا يبقى إدريس جماع اسمًا يستحق أن يقف في قسم الشعراء إلى جوار الأسماء الكبرى، لا بوصفه ظلًا لها، بل بوصفه صوتًا سودانيًا خالصًا له مكانته ونبرته وفرادته.








