نص قصيدة الرياح
محتوى المقال
حين تمرّ الأشياء دون أن تُرى… لكنها تغيّر كل شيء
مقدمة
في قصيدة الرياح لا يكتب الفيتوري نصًا يعتمد على المشهد الظاهر أو الصورة المباشرة، بل يدخل بنا إلى تجربة خفية، حيث لا تكون الرياح شيئًا يمكن الإمساك به أو تحديده بسهولة، بل حالة تُحسّ، تُدرك من أثرها لا من شكلها، وكأن الشاعر لا يصف ما نراه، بل ما نشعر به حين تمرّ الأشياء في حياتنا دون أن ننتبه لها بشكل كامل.
ومن خلال هذا الأسلوب يصبح النص أقرب إلى تأمل داخلي، حيث لا تكون القراءة عملية فهم مباشر، بل تجربة شعورية، يعيشها القارئ مع كل سطر، وكأن الكلمات نفسها تتحرك، تتغير، ولا تستقر.
يمكنك قراءة التحليل الكامل لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة الرياح – محمد الفيتوري
نص القصيدة
رُبَّمَا لمْ تَزَلْ تلكم الأرض
تسكن صورتها الفلكية
لكن شيئاً على سطحها قدْ تكسَّرْ
رُبَّمَا ظل بستانُ صيفك
أبْيضَ في الصيفِ
لكنَّ بْرقَ العواصف
خلف سياجكَ أحمرْ
رُبَّمَا كانَ طقسُك، ناراً مجوسِيَّةً
في شتاءِ النعاس الذي لا يُفَسَّرْ
رُبَّما كُنْتَ أَصغر
ممَّا رَأَتْ فيكَ تلك النبواءتُ
أَو كنتَ أكْبَرْ
غير أنك تجهل أَنَّكَ شَاهِدُ عَصْرٍ عتيقْ
وأن نَيازِكَ مِنْ بشرٍ تتحدَّى السماء
وأن مَدَارَ النجوم تغيّرْ!!
***
هَا قَدْ انطفأتْ شرفاتُ السِّنين
المشِعَّةُ بالسِّحْرِ واللُّؤْلؤِ الأزَليِّ
وَأَسْدَلَ قصْرُ الملائكةِ المنشدِينَ سَتائِرهُ
وكأنَّ يَداً ضَخْمَةً نسجت
أُفقاً مِنْ شرايينها
في الفضَاءِ السَّدِيميّ
هَا قَدْ تداخَلَت اللُّغَةُ الْمُستحِيلةُ
في جَدَلِ الشمْسِ وَالظّلمَات
كأنَّ أصابعَ مِنْ ذَهبٍ تَتَلَمَّسُ
عبر ثقوب التضاريس
إيقَاعَهَا
تَلْكُمْ الكائِنَاتُ التي تتضوَّعُ في صَمتِها
لم تُغَادِرْ بَكارتَها في الصَّبَاح
وَلَمْ تشتعلْ كرةُ الثَّلْجُ بَعْدُ..!
***
فَأَيَّةُ مُعْجِزَةٍ في يَدَيْك
وَأَيَّةُ عَاصَفَةٍ في نَهَارِكْ
"إنِّي رأيتُ سُقُوطَ الإله
الذي كانَ في بُوخارِسْت
كما لو هوى بُرْجُ إيفل في ذات يَوْمٍ
كما لوْ طغَى نَهَرُ السِّين
فوْقَ حوائطِ باريسْ"
كانَ حَرِيقُ الإله الذي
مَاتَ في بُوخَارِسْتَ عَظيماً
وَكانَ الرَّمادُ عَظِيماً
وَسَالَ دَمٌ بَاردٌ في التُّرَابْ
وَأُوصِدَ بَابْ
وَوُورِبَ بَابْ
***
وَلكنَّ ثَمَّةَ في بوخارِسْت بلادي أنَا
لا تزولُ الطَّواغِيتْ
أَقْنِعَةٌ تشرِكُ الله في خَلقِهِ
فهي ليستْ تشيخ
وليْسَتْ تَمُوتْ!
وَقَائمةٌ هي، باسم القضيَّةْ
وَأَنْظِمةِ الخطب المِنْبَريَّةْ
وَحَامِلةٌ هي، سِرَّ الرِّسَالةْ
وَشَمْسَ العدالةْ
وَقَادِرةٌ هي، تَمْسَخُ رُوحَ الجمالْ
ولا تعرف الحقَّ
أو تعرف العدل
أوْ تَعرِفُ الاسِتقَالةْ
***
وفي بوخارسْت بلادي
أَزْمِنَةٌ تكنِزُ الفَقْرَ خَلفَ خَزَائِنِها..
وَسُكونٌ جَرِيحْ
وَأَشبَاحُ مَوْتَى مِنَ الجُوع
تخضرُّ سيقانهم في الرمالْ
وتَيْبَسُ ثُمَّ تقِيحْ!
وَمَجْدٌ من الكبرياءِ الذليلة
وَالْكذِب العربيِّ الفصيحْ
"كأنّك لمْ تأتِ إلاَّ لِكيْ تُشعِلَ النَّارَ
في حطب الشَّرقِ وَحْدكَ
في حطب الشرقِ وَحْدَكَ
تَأْتِي..
وَشَمْسُكَ زَيُتُونَةٌ
وَالبَنَفْسَجُ إكليلُ غَارِكْ
ولا شيء في كُتبِ الغَيْبِ غَيرُ قَرَارِكْ"
"إنِّي رَأيتُ رِجَالاً
بَنَوْا مِنْ حِجَارة تارِيِخهِمْ وطناً
فَوْقَ حائِط بَرْلين
وَانْحَفَرُوا فيه
ثم تَوَارَواْ وَرَاءَ السِّنين
لكيْ لا يُنَكِّسَ رَايَتَهُ المَجْدُ يوماً
على قُبَبِ الميِتِّينْ
وكيلاَ تَدُورَ على الأَرْضِ
نَافَورَةُ الدم والياسمينّ!"
وفي بُوخَارِسْتَ التي
سَكَبَتْ رُوحَهَا فيك
وَازْدَهَرَتْ في نُقوش إزارِكْ
في بُوخارِسْتَ انتظَارِكْ
سماءٌ تكادُ تَسيلُ احْمِرَاراً
وَأيدٍ مُقَوِّسَةٌ تَتَعانَقُ خَلْفَ الغيومْ
وَآجُرَّةُ مِنْ تُرابِ النُّجُومْ
تَظَلُّ تُبعثِرُهَا الرِّيحُ..
خَلْفَ مَدَارِكْ!
قراءة في النص: الأثر قبل الظهور
في هذا النص لا تكون القيمة في ما يظهر، بل في ما يُحدث أثرًا، حيث لا تُقاس الأشياء بوضوحها، بل بقدرتها على التغيير، وكأن الشاعر يدعونا إلى النظر إلى ما لا يُرى، إلى ما يتحرك خلف الظاهر، حيث يحدث التحول الحقيقي.
ومن خلال هذا التصور تصبح الرياح رمزًا لكل ما يمرّ في حياتنا دون أن نلاحظه، لكنه يترك أثرًا عميقًا.
بين الغياب والحضور
تتحرك القصيدة في تلك المساحة التي يلتقي فيها الغياب بالحضور، حيث لا تكون الأشياء غائبة تمامًا، ولا حاضرة بشكل كامل، بل في حالة بينية، وكأن الوجود نفسه ليس ثابتًا، بل متغيرًا، يتشكل باستمرار.
ومن خلال هذا التوتر يشعر القارئ أن النص لا يقدّم إجابة، بل يفتح بابًا للتأمل.
الإنسان: المتأثر بما لا يراه
في هذه القصيدة يظهر الإنسان بوصفه كائنًا يتأثر بما لا يراه بقدر ما يتأثر بما يراه، وكأن التجربة الإنسانية لا تُبنى فقط على الواضح، بل على الخفي أيضًا، وهذا ما يجعل الوعي أعمق مما يبدو.
ومن خلال هذا المعنى يصبح الإنسان جزءًا من حركة لا يملك السيطرة عليها بالكامل.
عن الشاعر
يُعد محمد الفيتوري من أبرز من جعلوا الشعر مساحة للتأمل في الوجود، حيث لا يكون النص عنده مجرد تعبير، بل تجربة فكرية وشعورية.
كما يمكنك التعرف على الشاعر بشكل أعمق:
محمد الفيتوري: حياته وشعره وصوته الإفريقي

