الشكلانية الروسية في النقد الأدبي

محتوى المقال
لماذا كانت الشكلانية الروسية نقطة انعطاف في تاريخ النقد الحديث؟
حين يُذكر تاريخ النقد الأدبي الحديث، فإن الشكلانية الروسية تحضر بوصفها واحدة من أكثر اللحظات التأسيسية تأثيرًا، لا لأنها قدّمت مصطلحات جديدة فحسب، بل لأنها غيّرت السؤال نفسه الذي يطرحه الناقد على النص. فقبلها كان كثير من النقد الأوروبي والروسي يميل إلى قراءة الأدب من خارجه: من خلال سيرة المؤلف، أو المناخ التاريخي، أو الفكرة الأخلاقية، أو الوظيفة الاجتماعية. أما الشكلانيون الروس فقد طرحوا سؤالًا مختلفًا: ما الذي يجعل النص أدبيًا أصلًا؟ وما الخصائص التي تميز اللغة الأدبية من اللغة العادية؟ ومن هنا نقلوا مركز الثقل من “خارج النص” إلى “داخله”، ومن تفسير الأدب بأسبابه الخارجية إلى تحليل آلياته وتقنياته وبنيته الخاصة. وتشير بريتانيكا إلى أن الشكلانية الروسية كانت مدرسة نقدية مبتكرة في القرن العشرين، نشأت عبر جماعتين رئيستين: حلقة موسكو اللسانية التي تأسست سنة 1915، وأوبوياز OPOYAZ أو “جمعية دراسة اللغة الشعرية” التي تأسست في بتروغراد سنة 1916 بقيادة فيكتور شكلوفسكي، كما ضمت أسماء مثل أوسيب بريك، وبوريس إيخنباوم، ويوري تينيانوف، وبوريس توماشيفسكي.
تكمن أهمية هذا التحول في أن الشكلانية لم تكن مجرد “اهتمام بالشكل” بالمعنى المدرسي السطحي، بل كانت محاولة لبناء علم للأدب، أو على الأقل طريقة أكثر موضوعية وانضباطًا لدراسته. ولذلك رفض الشكلانيون أن تُختزل الأعمال الأدبية إلى “أفكار” أو “انعكاسات اجتماعية” أو “اعترافات شخصية”، وأصروا على أن الأدب ينبغي أن يُقرأ بوصفه فنًا لغويًا مستقلًا له قوانينه وأجهزته وآثاره الخاصة. وتوضح موسوعة Encyclopedia.com أن الشكلانيين سعوا إلى إصلاح الدرس الأدبي نفسه وجعله أكثر علمية، فاقترحوا أن موضوعه الحقيقي ليس “الأدب” بمعناه العام، بل ما أسماه رومان ياكوبسون الأدبية، أي الخاصية التي تجعل عملًا ما عملًا أدبيًا.
ولهذا فإن الحديث عن الشكلانية الروسية لا يعني العودة إلى مرحلة تاريخية منتهية فقط، بل يعني الرجوع إلى لحظة تأسيسية ما زالت آثارها حية في معظم ما تلاها من مناهج، من البنيوية إلى السيميائيات، بل وحتى في بعض جوانب النقد الجديد الأنجلوأميركي. فهي المدرسة التي علمت النقد أن النص ليس وعاءً فارغًا للمضمون، وأن الشكل ليس ثوبًا خارجيًا يمكن نزعه من دون أن يفقد الأدب حقيقته، وأن المعنى نفسه يتولد من التنظيم والأسلوب والانزياح والنسق، لا من الفكرة المجردة وحدها.
إقرأ أيضاً:
النشأة والسياق
مناخ فكري يبحث عن “علم للأدب”
ظهرت الشكلانية الروسية في مناخ فكري شديد الخصوصية في روسيا خلال العقدين الأولين من القرن العشرين، في لحظة كانت فيها الحياة الأدبية والفنية متوترة بين الحداثة الشعرية، والطليعية، والاهتمام المتزايد باللسانيات، وفي الوقت نفسه بين رغبة واضحة في تجاوز النقد الرمزي والانطباعي الذي كان يقرأ الأدب من زاوية غامضة أو ميتافيزيقية أكثر مما يقرأه من زاوية بنائه الفعلي. وتشير بريتانيكا إلى أن الشكلانيين استندوا جزئيًا إلى اللسانيات عند سوسير، وتأثروا أيضًا ببعض تصورات الرمزيين عن استقلال النص، لكنهم حاولوا أن يجعلوا خطابهم النقدي أكثر موضوعية وعلمية من النقد الرمزي السابق. كما كانت لهم صلات، في مرحلة ما، بالمستقبليين الروس، وهو ما يكشف أن الشكلانية خرجت من رحم حداثة فنية وفكرية كانت تسأل عن اللغة بوصفها مادة، لا مجرد وسيلة.
ومن هذه الخلفية نفهم لماذا جاءت الشكلانية، منذ بدايتها، في صورة اعتراض منهجي. فقد رفضت اختزال الأدب في ظروفه الخارجية، ورفضت أن تكون مهمة الدرس الأدبي هي مجرد جمع معلومات عن المؤلف، أو سرد الخلفيات التاريخية، أو الحديث عن النوايا والرسائل الأخلاقية. وتوضح Encyclopedia.com أن الشكلانيين انتقدوا الدراسات الأدبية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لأنها كانت تميل إلى اعتبار الأعمال الأدبية انعكاسات للواقع الاجتماعي والسياسي أو النفسي، بينما هم اقترحوا التركيز على العمل الأدبي نفسه وعلى عناصره المكوِّنة. ومن هنا لم يكن مشروعهم تجميليًا، بل كان مشروعًا إبستمولوجيًا: ما هو موضوع علم الأدب؟ وما أدواته؟ وكيف نميزه من التاريخ والاجتماع وعلم النفس؟
ومع أن هذا الطموح إلى “العلمية” قد يبدو اليوم طموحًا طوباويًا أو مبالغًا فيه، فإنه كان خطوة حاسمة في نضج النقد الحديث. فالشكلانيون لم يريدوا القضاء على الصلة بين الأدب والعالم، بل أرادوا أولًا أن يمنعوا الأدب من الذوبان الكامل في خطاب خارجي يفسره من دون أن يراه. ولهذا كان مشروعهم دفاعًا عن خصوصية الأدب بقدر ما كان مشروعًا لتحديث الدرس النقدي نفسه.
الأدبية
السؤال الذي أعاد تعريف موضوع النقد
لعل أهم مفهوم صاغته الشكلانية الروسية هو مفهوم الأدبية، وهو المفهوم الذي منح المدرسة هويتها الخاصة. فبدل أن تسأل: ما موضوع القصيدة؟ أو ما الرسالة التي تحملها الرواية؟ سألت: ما الذي يجعل هذا النص أدبيًا؟ ما الذي يفصله عن اللغة العادية، وعن التقرير، والخبر، والخطاب اليومي؟ وتذكر Encyclopedia.com أن رومان ياكوبسون استخدم مصطلح literariness ليشير إلى الخاصية التي تجعل العمل الأدبي عملًا أدبيًا، أي إلى مجموع السمات الفنية واللغوية التي تميّزه من غيره من أشكال الخطاب. وهذا التحول كان ثوريًا لأن النقد لم يعد يبحث عن “موضوع” الأدب، بل عن شرطه الجمالي واللغوي.
ومن هنا صار الأدب، في التصور الشكلاني، ليس مجرد حكاية أو فكرة، بل طريقة خاصة في تنظيم اللغة. فالقصيدة ليست أدبية لأنها تتحدث عن الحب أو الموت، بل لأن اللغة فيها تشتغل على نحو يلفت الانتباه إلى نفسها، ويحوّل العبارة من أداة شفافة إلى بنية محسوسة ومؤثرة. وتوضح Poetry Foundation أن الشكلانيين ركزوا على “أدبية” النص، بمعنى أن الكلمات في الأدب لا تعمل كإشارات محايدة إلى الأشياء فقط، بل تصبح هي ذاتها موضوعًا للتجربة الجمالية. ولهذا رأوا أن الأدب كيان مستقل نسبيًا، وأن تحليله ينبغي أن ينطلق من الوسائل التي يستخدمها ليصنع أثره الخاص.
وهذه الفكرة بالذات غيّرت تاريخ النقد؛ لأنها أجبرت القارئ على أن ينظر إلى النص لا بوصفه مادة جاهزة يمكن تلخيصها، بل بوصفه حدثًا لغويًا تتولد فيه الدلالة من طريقة بنائه. ومن هنا نشأ اهتمام الشكلانيين بالإيقاع، والتركيب، والتكرار، والروي، والتأخير، والتحويل، والزمن السردي، وكل ما يجعل النص نصًا مصوغًا لا مجرد كلام عن شيء. ويمكن القول إن الأدبية، بهذا المعنى، كانت إجابة الشكلانيين عن سؤال: لماذا الأدب ليس مجرد نسخة من الحياة أو وعاءً للأفكار؟ لأنه قبل كل شيء فن للصياغة.
الحيلة أو الجهاز الأدبي
كيف يُصنع الأثر؟
إذا كانت الأدبية هي الخاصية العامة التي تميز النص الأدبي، فإن الشكلانيين رأوا أن هذه الأدبية تتجسد عبر ما سموه الحيل أو الأجهزة الفنية. وتشير Encyclopedia.com إلى أن الشكلانيين جعلوا من device أو priem أحد أهم مفاهيمهم، لأنهم اعتبروا أن العمل الأدبي يتكون من تقنيات محددة تحوّل “المادة” الخام إلى شكل فني منظم. وبذلك اقترحوا استبدال التقسيم التقليدي بين الشكل والمضمون بثنائية أخرى: الجهاز والمادة؛ فالمادة هي الخام غير المنظم من موضوعات وأفكار وأحداث ولغة، أما الجهاز فهو ما يقوم بتحويل هذه المادة إلى عمل أدبي.
وتكمن أهمية هذا التصور في أنه أنهى، إلى حد بعيد، النظرة المدرسية التي كانت تفصل بين “المضمون” بوصفه الجوهر و“الشكل” بوصفه زخرفة. عند الشكلانيين، ليس الشكل زينة، بل هو العملية نفسها التي تجعل النص فنيًا. ولذلك لا يمكن فهم قصة أو قصيدة عبر تلخيص موضوعها فقط، لأن ما يصنع أثرها الأدبي هو كيفية توزيع الأحداث، أو بناء الإيقاع، أو تنظيم الوصف، أو اختيار زاوية السرد، أو طريقة الانزياح المجازي. ومن هنا غدا الناقد الشكلاني أشبه بمن يفكك آلة دقيقة ليرى كيف تعمل، لا بمن يكتفي بالحديث عن الرسالة الأخلاقية أو السيرة الفكرية لصاحبها.
ومن الناحية التطبيقية، سمح مفهوم الجهاز الأدبي بظهور قراءة أكثر انضباطًا للنصوص، لأن الناقد صار يبحث عن التقنيات المحددة التي تنتج التأثير: ما وظيفة الإيقاع هنا؟ كيف يُستخدم التكرار؟ لماذا تُروى الحكاية بهذا الترتيب؟ ما أثر الوصف غير المباشر؟ كيف يُبطّأ الزمن أو يُسرَّع؟ بهذه الأسئلة انتقل النقد من خطاب عام عن “الجمال” إلى خطاب أكثر دقة عن كيف يُبنى هذا الجمال.
التغريب أو جعل المألوف غريبًا
قلب المشروع الشكلاني
يرتبط اسم الشكلانية الروسية، في الذاكرة النقدية الحديثة، بمفهوم يكاد يكون أشهر مفاهيمها جميعًا، وهو مفهوم التغريب أو جعل الشيء غريبًا (ostranenie). وتوضح بريتانيكا أن الشكلانيين رأوا أن الأدب، وبخاصة الشعر، قادر على أن “يجعل اللغة العادية غريبة” وعلى أن يُزيل ألفة العالم اليومي لكي يُعاد إدراكه من جديد. كما تشرح Poetry Foundation أن التغريب يعني أن الأدب، عندما يلفت الانتباه إلى نفسه بوصفه أدبًا، يبعد القارئ عن التجربة المألوفة ويجعل ما اعتاده يبدو جديدًا من جديد.
هذه الفكرة تكاد تكون قلب الشكلانية كلها. فالإنسان، في الحياة اليومية، يعتاد الأشياء حتى يكاد لا يراها. الكلمات تتحول إلى إشارات سريعة، والأحداث إلى روتين، والوجود نفسه إلى ألفة مخدِّرة. أما الفن، في تصور شكلوفسكي، فيكسر هذا الاعتياد؛ يجعل الحجر “حجريًا” مرة أخرى، ويمنح الشيء العادي حدة الإدراك الأول. لذلك لا تكون وظيفة الأدب أن يخبرنا بما نعرفه فحسب، بل أن يعيد إلينا قدرة الرؤية التي أفقدتنا إياها العادة. ولهذا كان التغريب عند الشكلانيين ليس مجرد حيلة أسلوبية، بل فلسفة في فهم الفن: الفن يوقظ الإدراك، يبطئ التلقي، ويجعل العالم أقل استهلاكًا وأكثر حضورًا.
وقد أثّر هذا المفهوم خارج الشكلانية ذاتها، حتى إن بريتانيكا تشير إلى أن برتولت بريخت استلهم من نظرية شكلوفسكي في ostranenie ما عُرف لاحقًا بـ“أثر التغريب” في المسرح، أي ذلك الأسلوب الذي يمنع المشاهد من الذوبان الكامل في الوهم المسرحي كي يظل محتفظًا بمسافة نقدية. وهذا الامتداد يبيّن أن الشكلانية لم تكن مدرسة روسية معزولة فقط، بل كانت خزانًا لمفاهيم ستنتقل إلى المسرح والنقد والنظرية الثقافية في سياقات أوسع.
الشكل والمضمون
لماذا لا يمكن فصلهما؟
من النتائج المهمة التي خرجت بها الشكلانية الروسية أنها زعزعت الفصل التقليدي بين الشكل والمضمون. فالنقد المدرسي كثيرًا ما يتعامل مع النص وكأنه يتكون من “معنى” يمكن نقله من جهة، و“أسلوب” يكسوه من جهة أخرى، لكن الشكلانيين رأوا أن هذا التقسيم مضلل. وتشير Encyclopedia.com إلى أنهم أكدوا على وحدة الشكل والمحتوى، ورأوا أن أحدهما لا يمكن فهمه في الأدب إذا فُصل عن الآخر. ولذلك لم يعودوا يستخدمون ثنائية “شكل/مضمون” بالطريقة القديمة نفسها، بل تحدثوا عن “الجهاز” الذي يشكّل “المادة”، بحيث يصبح المضمون نفسه نتيجة لطريقة تنظيمه.
وتكمن قيمة هذا التصور في أنه يحررنا من اختزال الأعمال الأدبية إلى ملخصات. فحين نقول إن رواية ما “عن الغيرة” أو “عن الحرب”، لا نكون قد قلنا شيئًا جوهريًا بعد، لأن آلاف الأعمال قد تدور حول الموضوع نفسه، لكن ما يجعل نصًا منها أدبًا كبيرًا هو الطريقة التي صيغ بها هذا الموضوع. من هنا فإن المضمون في الأدب ليس مادة مستقلة سابقة على الشكل، بل هو، إلى حد بعيد، مضمون مُشكَّل. ولهذا لا يمكن، في القراءة الشكلانية، أن نكتفي بـ“ماذا يقول النص؟” بل علينا أن نسأل دائمًا: “كيف جعله يقوله بهذه القوة أو الدهشة أو التأثير؟”
تطور الشكلانية
من الجمود إلى مفهوم التطور الأدبي
من الشائع اختزال الشكلانية الروسية في صورتها الأولى، أي في الدفاع عن استقلال الأدب والتركيز على أجهزته، لكن هذا الاختزال يغفل أن المدرسة نفسها تطورت لاحقًا. فموسوعة Encyclopedia.com تشير إلى أنه مع الوقت، ولا سيما تحت الضغوط الستالينية، اعترف الشكلانيون بأهمية دراسة التاريخ الأدبي وعلاقات الأدب بالأنظمة الأخرى في الحياة، وبدأوا يتحدثون عن التطور الأدبي وتجدد الأشكال وديناميتها. وهذا التطور مهم لأنه يبيّن أن الشكلانية لم تبقَ جامدة تمامًا في صورة “نص بلا سياق”، بل حاولت أن تفكر في كيف تتغير الأشكال الأدبية تاريخيًا.
وهنا تبرز أسماء مثل يوري تينيانوف على نحو خاص، لأن اهتمامه اتجه إلى تاريخ الأدب بوصفه نظامًا متغيرًا، لا مجموعة أعمال منفصلة. ومن خلال هذا التعديل الداخلي صارت الشكلانية أكثر قدرة على تفسير انتقال الأجناس وتبدل الوظائف الفنية وتفاعل الأدب مع أنساق ثقافية أخرى. ومع ذلك، فإن هذه المراجعة لم تنقذها سياسيًا داخل الاتحاد السوفيتي؛ إذ تشير بريتانيكا إلى أنها ظلت مهمة في العشرينيات، لكنها أُدينت سنة 1929 بسبب ما رآه النقاد الماركسيون فيها من افتقار إلى المنظور السياسي.
أبرز الأعلام
من شكلوفسكي إلى ياكوبسون
يصعب كتابة مقال عن الشكلانية الروسية من دون التوقف عند أبرز أعلامها. يأتي في مقدمتهم فيكتور شكلوفسكي، الذي تصفه بريتانيكا بأنه كان “صوتًا رئيسيًا” في الشكلانية، وأنه كان من أهم من منحوا المدرسة مفاهيمها الحاسمة، وعلى رأسها التغريب. ثم يأتي رومان ياكوبسون، الذي لعب دورًا أساسيًا في صوغ مفهوم الأدبية وفي الربط بين الشكلانية واللسانيات، ثم لاحقًا بين الشكلانية والبنيوية. كما تضم القائمة بوريس إيخنباوم، ويوري تينيانوف، وبوريس توماشيفسكي، وأوسيب بريك، وكلهم ساهموا في تحويل الشكلانية من مجرد توجه عام إلى مشروع نظري متعدد الجوانب.
وليس المقصود من هذا التعداد مجرد ذكر الأسماء، بل الإشارة إلى أن الشكلانية لم تكن رأيًا فرديًا، بل شبكة من الجهود التي تشاركت سؤالًا واحدًا بطرائق متعددة. بعضهم انشغل بالشعر، وبعضهم بالسرد، وبعضهم بتاريخ الأدب، وبعضهم باللسانيات، لكنهم جميعًا التقوا عند فكرة مركزية: أن الأدب يستحق أن يُدرس بوصفه فنًا لغويًا له قوانينه، لا كظل باهت لحياة المؤلف أو ظروفه فقط. ومن هنا جاءت قوته التاريخية، لأنه لم يكن مشروعًا بلاغيًا عابرًا، بل لحظة تأسيس جماعية في النظرية الأدبية الحديثة.
أثر الشكلانية الروسية في النقد الحديث
لم تنتهِ الشكلانية الروسية بانحسارها السياسي في الاتحاد السوفيتي، بل استمرت أفكارها في مسارات نقدية متعددة. تشير بريتانيكا إلى أنها أصبحت لاحقًا، إلى حد كبير عبر عمل رومان ياكوبسون، مؤثرة في الغرب، ولا سيما في النقد الجديد الأنجلوأميركي، كما تصفها بعض المصادر بأنها من أهم الجسور التي قادت إلى البنيوية. وتوضح Poetry Foundation أن تأثيرها الأكبر كان بالفعل في البنيوية، بينما تشير Encyclopedia.com إلى أن البنيوية والسيميائيات كانتا من أكثر الاتجاهات تأثرًا بها بعد الحرب.
ويبدو هذا التأثير واضحًا في عدة أمور: في الإصرار على مركزية اللغة، وفي فكرة أن النص بنية يمكن تحليلها، وفي الانتباه إلى العلاقات الداخلية والأنظمة الفنية، وفي الحذر من التفسيرات الخارجية السريعة. بل إن كثيرًا من مفاهيم النقد الحديث، حتى حين لا تُنسب مباشرة إلى الشكلانية، تحمل أثرها بطريقة أو بأخرى، سواء في التحليل السردي أو في اللسانيات الشعرية أو في الدراسات التي تبحث عن الفرق بين الخطاب الأدبي وغيره. ولذلك فإن الشكلانية الروسية لا تُقرأ اليوم فقط بوصفها مرحلة تاريخية، بل بوصفها أصلًا نظريًا ما زالت تعود إليه مدارس كثيرة، حتى حين تختلف معه أو تتجاوزه.
حدود الشكلانية
ما الذي أغفلته؟
مع كل فضلها، لم تكن الشكلانية الروسية منهجًا كاملًا لا نقص فيه. فقد أدى تركيزها القوي على استقلال النص أحيانًا إلى تهميش التاريخ، والسياسة، والطبقة، والجندر، والبعد النفسي والاجتماعي الذي يتخلل الأدب ولا يمكن تجاهله دائمًا. ولهذا تعرّضت لنقد شديد من الاتجاهات الماركسية، كما ظلت موضع مراجعة حتى داخل تطورها الذاتي. فالنص الأدبي، مهما بلغت استقلاليته الفنية، لا يُنتج في فراغ، ولا يُقرأ خارج عالم من القيم والصراعات والمؤسسات. ولذلك بدا لبعض النقاد أن الشكلانيين، في حماستهم المشروعة لحماية الأدب من الاختزال الخارجي، كادوا أحيانًا أن يعزلوه أكثر مما ينبغي.
غير أن هذا النقد لا يلغي قيمتها، بل يضعها في موقعها الصحيح. فالشكلانية ليست آخر كلمة في النقد الأدبي، لكنها كانت، ولا تزال، كلمة أولى لا غنى عنها. لقد علمتنا كيف ننظر إلى النص من داخله، وكيف نصغي إلى اللغة لا إلى الأفكار المجردة فقط، وكيف نرى في التقنية الأدبية مولدًا للمعنى لا غلافًا له. وهذا بالضبط ما يجعلها باقية: لا لأنها تفسر كل شيء، بل لأنها تفسر شيئًا أساسيًا كان النقد يحتاج إليه بشدة.
خاتمة
لماذا نعود إلى الشكلانية الروسية اليوم؟
نعود إلى الشكلانية الروسية اليوم لأنها ما تزال تذكّرنا بحقيقة منهجية لا تبلى: أن الأدب ليس مجرد “شيء يُقال”، بل طريقة مخصوصة في القول. وفي زمن تتكاثر فيه القراءات الأيديولوجية والثقافية والاجتماعية، تظل الشكلانية تذكيرًا ضروريًا بأن النص نفسه يستحق أن يُرى، وأن اللغة ليست وعاءً شفافًا، وأن الجمال الأدبي لا ينفصل عن التقنية، وأن المعنى يولد من البنية بقدر ما يولد من الفكرة. لقد قدّمت هذه المدرسة، رغم عمرها القصير نسبيًا، أكثر من مجرد مصطلحات؛ قدّمت أخلاقًا في القراءة، تقوم على الانتباه، والتفكيك، واحترام خصوصية الفن.
ولهذا فإن كتابة مقال مستقل عن الشكلانية الروسية ليست مجرد خطوة تاريخية في سلسلة مناهج النقد، بل هي بداية مناسبة فعلًا، لأنها تضعنا أمام السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل قراءة نقدية: ما الذي يجعل النص أدبًا؟ وحين نبدأ من هذا السؤال، ندرك لماذا كانت الشكلانية الروسية إحدى أهم البدايات الحديثة في النقد الأدبي، ولماذا لا تزال، رغم كل ما تلاها، مدرسة لا يمكن تجاوزها من دون المرور بها أولًا.








