كتاب “رحلتي من الشك إلى الإيمان”

الكتاب الذي يحوّل الحيرة الفكرية إلى مراجعة عميقة للنفس والعقل والروح

حين لا يكون الشك نهاية الإيمان بل بدايته المؤلمة

يأتي كتاب رحلتي من الشك إلى الإيمان ضمن أكثر كتب مصطفى محمود حضورًا في الذاكرة العربية، لا لأنه يطرح قضية الإيمان بوصفها مسألة وعظية جاهزة، بل لأنه يعرضها بوصفها تجربة عبور: عبور من سؤال مراهق متمرّد إلى تأمل فلسفي، ثم إلى قناعة يراها صاحبها أعمق من الإنكار وأبعد من الجدل اللفظي. والكتاب يُنسب على نطاق واسع إلى سنة 1970، مع وجود طبعات لاحقة كثيرة وتباين واضح بين الناشرين وعدد الصفحات بحسب الطبعة، إذ تظهر له طبعات عند دار العودة وأخرى عند دار المعارف، وتتراوح بعض بياناته الببليوغرافية بين نحو 72 و110 صفحات أو أكثر بقليل.

وهذا التفاوت في الطبعات لا يغيّر جوهر الكتاب، لأن قيمته الحقيقية ليست في حجمه، بل في طبيعته الكثيفة؛ فهو نص قصير نسبيًا، لكنّه يحمل أسئلة كبيرة عن الله، والخلق، والسبب الأول، والعقل، والمادة، والروح، والغرور الفكري، ومكان الإنسان بين المعرفة واليقين. ومن هنا يبدو الكتاب أشبه بخلاصة مركزة لمرحلة فكرية كاملة في حياة مصطفى محمود، لا مجرد رسالة سريعة في الدفاع عن الإيمان.

مصطفى محمود

الطبيب الذي غادر المهنة ولم يغادر سؤال الحقيقة

لفهم هذا الكتاب جيدًا، لا بد من وضعه داخل مسار مصطفى محمود نفسه. فالرجل، كما تلخصه المصادر المرجعية العربية، وُلد سنة 1921 في شبين الكوم بمصر، ودرس الطب وعمل فيه، ثم تركه سنة 1960 ليتفرغ للكتابة بعد شعور متزايد بأن المهنة لا تعبّر عن طموحه الفكري والوجودي كاملًا. وفي أواخر الستينيات دخل مرحلة بحث ديني وفكري واسعة شملت قراءة في أديان ومذاهب متعددة، قبل أن يستقر، بحسب السرد الشائع عن سيرته، على اليقين القرآني والإسلامي في مرحلة تلت ذلك وظهرت فيها كتبه الإسلامية الأشهر، ومنها رحلتي من الشك إلى الإيمان وحوار مع صديقي الملحد.

* مصطفى محمود: سيرة فكرية بين الشك والإيمان وتحليل مشروعه الفلسفي

وهذه الخلفية ضرورية لأنها تفسر لماذا لا يكتب مصطفى محمود هنا كفقيه تقليدي ولا كأستاذ لاهوت أكاديمي، بل كإنسان عرف التجريب الفكري ومرّ بـ فتنة العقل وإغراء الشك ثم عاد ليقرأ هذه المرحلة بعد أن غادرها. ولهذا يبدو صوته في الكتاب مختلفًا: أقلَّ حرصًا على البرهنة الجدلية الباردة، وأكثر ميلًا إلى كشف الدافع النفسي وراء الشك، لا الاكتفاء بمناقشة منطقه الظاهر.

الكتاب في مشروعه الفكري

ليس دفاعًا عن الدين فقط بل مراجعة لمرحلة كاملة

إذا نظرنا إلى مكان هذا الكتاب داخل مشروع مصطفى محمود، سنجده يقف عند نقطة فاصلة: هو ليس من نصوصه الأدبية الأولى، ولا من أكثر كتبه الصوفية نضجًا في المراحل المتأخرة، بل من الكتب التي تمثل مرحلة التحول نفسها. وتذكر موسوعة الجزيرة بوضوح أن مرحلة اليقين عنده بدأت تقريبًا مع مطلع السبعينيات، وأن هذه المرحلة شهدت صدور كتب إسلامية وفكرية منها رحلتي من الشك إلى الإيمان. وهذا يعني أن الكتاب ليس تعليقًا لاحقًا محايدًا على ماضيه، بل جزء من زمن التحول ذاته، ولذلك جاء مشحونًا بطاقة الاعتراف والتصحيح والرد على النفس القديمة.

ومن هنا تكتسب صفحاته حرارة خاصة. فهو لا يحاول فقط أن يقنع قارئًا مترددًا، بل يحاول أيضًا أن يشرح لذاته السابقة أين أخطأت، وكيف انخدعت ببعض الأسئلة التي بدت قوية في حينها، ثم ظهرت لاحقًا، في نظره، على أنها مغالطات أو سوء فهم أو انبهار زائد بسطوة العقل حين ينسى حدوده. وهذه الطبيعة الاعترافية هي التي جعلت الكتاب قريبًا من القراء، لأنه لا يقدّم الإيمان بوصفه يقينًا موروثًا لا أزمة فيه، بل بوصفه شيئًا مرّ عبر نار السؤال والاضطراب.

العنوان نفسه

“رحلتي” قبل “الشك” وقبل “الإيمان”

من أجمل ما في هذا الكتاب أن عنوانه يبدأ بكلمة “رحلتي”. وهذه الكلمة ليست تفصيلًا لغويًا بسيطًا، بل مفتاح القراءة كله؛ لأن الكاتب لا يقول: “الشك والإيمان”، ولا “أدلة الإيمان”، بل يقول: رحلتي. أي إن القضية ليست موضوعًا نظريًا مجردًا، بل مسارًا شخصيًا، فيه زمن، وتحوّل، وتجربة، وخطأ، وانكسار، واكتشاف. وهذا ما يجعل الكتاب أقرب إلى السيرة الفكرية المختصرة منه إلى الرسالة العقدية الجافة.

وكلمة “رحلة” هنا مهمة أيضًا لأنها تكسر الوهم الذي يظن أن اليقين يأتي دفعة واحدة. فالرحلة تعني أن الإيمان ليس دائمًا نقطة بداية، وقد لا يكون نقطة وصول سهلة كذلك، بل حصيلة احتكاك طويل بالأسئلة والكتب والتجربة الشخصية وتبدل النظر إلى العالم. وفي هذا المعنى، يحمل العنوان صدقًا كبيرًا؛ لأنه لا يخفي الشك، ولا يجمّل الطريق، ولا يوحي بأن التحول كان لحظة خاطفة، بل يعترف بأن الإيمان، كما يقدمه مصطفى محمود هنا، جاء بعد تعب فكري ونفسي لا بعد تلقين مريح.

السؤال الأول

“من خلق الله؟” بوصفه لحظة تمرد وفتنة عقل

من أكثر ما يرسخ في ذاكرة القارئ من هذا الكتاب بدايته الصريحة. فقد نشرت صحيفة الرأي مقطعًا من افتتاحيته يروي فيه مصطفى محمود كيف بدأ في المراهقة يتساءل بتمرّد: إذا كان لكل مخلوق خالق، فمن خلق الله؟ ثم يعترف لاحقًا بأن هذا السؤال لم يكن مدفوعًا، في تلك المرحلة، ببحث صادق خالص عن الحقيقة بقدر ما كان مدفوعًا أيضًا بـ الزهو بالعقل والإعجاب بموهبة الجدل ومقارعة الحجج. هذه الصراحة شديدة الأهمية، لأنها تخرج الكتاب من كونه نقاشًا فكريًا باردًا إلى كونه تشريحًا للنفس وهي تشك.

وهنا يطرح الكتاب واحدة من أفكاره الأعمق: ليس كل شكٍّ شكًّا معرفيًا خالصًا؛ أحيانًا يكون الشك ممتزجًا بالهوى، أو بالإعجاب بالذات، أو بالرغبة في الاختلاف، أو بلذة هدم المسلّمات. وهذه الملاحظة لا تلغي القيمة الفكرية للأسئلة، لكنها تكشف أن الإنسان لا يفكر من عقل مجرد فقط، بل من نفس تحمل دوافعها الخفية معها. ومن هنا تبدو مراجعة مصطفى محمود لتلك المرحلة شديدة الأثر، لأنها لا تكتفي بالقول إن الفكرة كانت خاطئة، بل تقول أيضًا إن الحالة النفسية التي صيغت فيها كانت جزءًا من الخطأ نفسه.

من منطق السببية إلى الاعتراف بحدود العقل

في المقطع نفسه تقريبًا، يوضح مصطفى محمود أنه أدرك لاحقًا ما يعدّه تناقضًا منطقيًا في سؤال “من خلق الله؟”، لأن الاعتراف بوجود خالق ثم السؤال عمّن خلقه يحوّل الخالق إلى مخلوق، وبذلك ينهار المفهوم نفسه. كما يربط هذا التصحيح الفكري بمسألة السبب الأول التي انتهى إليها الفلاسفة، وفي مقدمتهم أرسطو، بحسب ما يرد في النص المنشور. وهذا يدل على أن الكتاب لا يكتفي بالحديث الوجداني، بل يستند أيضًا إلى حجاج فلسفي مبسّط يحاول أن يضع السؤال في إطاره المنطقي.

لكن الأهم من الحجة نفسها هو ما تكشفه عن موقف الكتاب من العقل. فمصطفى محمود لا ينتهي هنا إلى تحقير العقل، بل إلى إعادة موضعته. إنه لا يقول إن السؤال خطأ لأن السؤال في ذاته مرفوض، بل لأن العقل حين يخلط بين المفاهيم، أو يمد أدواته إلى ما وراء مجالها من دون انتباه، يقع في السفسطة وهو يظن أنه يمارس النقد. ولهذا يمكن القول إن الكتاب لا يحارب العقل، بل يحارب غروره، ولا يهاجم السؤال، بل يهاجم السؤال حين يتحول إلى استعراض أو حين يفقد دقته المنطقية.

العلم في الكتاب

ليس خصمًا للإيمان بل طريقًا إلى التواضع

من النقاط الأساسية في تجربة مصطفى محمود كما تعرضها سيرته أنه ظل طوال مشروعه الفكري يحاول بناء جسر بين العلم والإيمان، وهو ما ظهر لاحقًا أيضًا في برنامجه الشهير العلم والإيمان وفي كثير من كتبه. وتؤكد صحيفة الرأي أنه عُرف بأسلوبه الذي أفسح المجال لإعمال العقل في الظواهر الكونية وعرضها على النص الديني في منهج توفيقي، كما تشير سيرة الجزيرة إلى أنه كتب عشرات الأعمال التي مزجت بين العلم والفلسفة والدين.

ولهذا لا ينبغي أن يُفهم رحلتي من الشك إلى الإيمان بوصفه كتابًا ضد العلم، بل بوصفه كتابًا ضد المادية المغلقة التي تجعل من العلم تفسيرًا نهائيًا لكل شيء. مصطفى محمود، في هذا النص، لا يترك العلم وراءه، بل يترك وهم الاكتفاء به وحده. إنه يتحرك من انبهار بعقل قادر على السؤال، إلى تواضع أمام كون لا تكفي الأدوات المادية وحدها لإحاطته، ومن ثَم يجعل الإيمان ليس هروبًا من العقل، بل إضافة لبعد آخر من الفهم يرى أن الحقيقة أوسع من المادة إذا أُخذت المادة معيارًا وحيدًا.

أسلوب الكتاب

مكثف، شخصي، وقريب من القارئ

من الواضح من بياناته الببليوغرافية واختلاف طبعاته أنه كتاب قصير نسبيًا مقارنة بكثير من الكتب الفكرية المطولة، وهذا ينسجم مع طبيعة أسلوبه: نص مكثف، يقوم على التأمل الشخصي، والعبارة الواضحة، والموقف المباشر، لا على الإحالة المرجعية الثقيلة أو البناء المدرسي المطول. وتذكر بعض البيانات الحديثة للكتاب أنه يعرض رحلة الشك والإيمان “بالوصف والتأمل”، وهي عبارة موفقة في وصف نبرته عمومًا.

وهذه السمة هي ما جعل الكتاب واسع الانتشار بين القراء العرب. فهو لا يطلب من قارئه أن يكون متخصصًا في الفلسفة أو علم الكلام، بل يقدّم له تجربة فكرية في لغة بسيطة نسبيًا، تجعل الأسئلة الكبرى قريبة من الحس اليومي. وهذا لا يعني أن الكتاب يحل كل الإشكالات النظرية، لكنه ينجح في شيء آخر بالغ الأهمية: أنه يجعل القارئ يشعر أن القلق الفكري قابل للحكي، وأن الانتقال من الشك إلى الإيمان ليس أمرًا غريبًا أو مستحيلًا أو مخجلًا، بل تجربة بشرية يمكن التعبير عنها بوضوح وصدق.

لماذا بقي هذا الكتاب مؤثرًا إلى اليوم؟

بقي رحلتي من الشك إلى الإيمان حاضرًا لأن موضوعه لا يشيخ: العلاقة بين العقل والإيمان، بين السؤال والتسليم، بين المراهقة الفكرية واليقين الناضج، هي أسئلة لا تنتهي بانتهاء جيل واحد. كما أن سيرة مصطفى محمود نفسها منحت الكتاب قوة إضافية؛ فهو ليس نصًا كتبه رجل عاش داخل يقين واحد منذ البداية، بل كتبه طبيب ومفكر مرّ بمخاضات فكرية عديدة، ثم دوّن هذه المرحلة بصراحة جعلت كتابه أقرب إلى الاعتراف منه إلى الدرس.

ثم إن الكتاب استفاد من طبيعة مصطفى محمود الخاصة ككاتب جمع بين الثقافة العلمية والنزوع الفلسفي واللغة السهلة نسبيًا، فصار قادرًا على مخاطبة شرائح متنوعة من القراء: من يقرأ للدين، ومن يقرأ للفكر، ومن يقرأ لتجارب التحول الشخصي. وهذا الاتساع في دوائر التلقي هو ما جعله يستمر، لأن القارئ لا يرى فيه مجرد “رد على الشك”، بل يرى فيه أيضًا قصة إنسان خرج من فتنة العقل المتكبر إلى عقل أكثر تواضعًا وأوسع أفقًا.

خاتمة

الكتاب الذي يجعل الإيمان ثمرة مراجعة لا قطيعة مع السؤال

في النهاية، لا تكمن قيمة رحلتي من الشك إلى الإيمان في أنه يقدّم برهانًا نهائيًا يغلق باب الأسئلة، بل في أنه يقدّم شكلًا ناضجًا من المراجعة. لقد كتب مصطفى محمود هذا النص لا ليمحو الشك من التاريخ، بل ليقول إن الشك نفسه قد يكون طريقًا إلى اليقين إذا مرّ عبر الصدق والتواضع والانتباه إلى حدود النفس والعقل.

ولهذا يبقى الكتاب مهمًا: لأنه لا يجعل الإيمان نقيضًا للتفكير، بل ثمرة تفكير تعلّم أخيرًا أن يكون أكثر إنصافًا وأقل غرورًا. ومن هنا يخرج القارئ من هذا الكتاب وهو لا يتذكر فقط ما قاله مصطفى محمود عن الله والعقل، بل يتذكر أيضًا درسًا إنسانيًا أوسع: أن أخطر ما يضللنا أحيانًا ليس السؤال نفسه، بل الطريقة التي نسأل بها، ومن أي نفس نسأل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *