نص قصيدة أرى العنقاء تكبر أن تصادا
محتوى المقال
قصيدة الحكمة والرمز في الشعر العربي
مقدمة
تُعد قصيدة «أرى العنقاء تكبر أن تُصادا» من أشهر قصائد أبي العلاء المعرّي في الحكمة والفخر والتجربة الإنسانية، وتوردها المصادر النصية المتداولة على أنها من البحر الوافر، وأنها تقع في 60 بيتًا. وقد ارتبطت شهرتها بمطلعها اللافت الذي يجعل العنقاء رمزًا للمطلب البعيد أو المستعصي، ثم يبني على ذلك رؤية واسعة في الطموح، والناس، والزمن، والكرامة.
وفي هذه الصفحة أُثبت الرواية المتداولة الشائعة للقصيدة كما يوردها موقع مخصص لشعر أبي العلاء، مع التنبيه إلى إمكان وجود فروق يسيرة بين بعض الروايات والطبعات.
يمكنك أيضًا قراءة الدراسة الأدبية الكاملة لهذه القصيدة هنا:
تحليل قصيدة أرى العنقاء تكبر أن تصادا – رمزية العنقاء في شعر المعري
نص القصيدة
أرى العَنْقاءَ تَكْبُرُ أن تُصادا
فعانِدْ مَنْ تُطيقُ لهُ عِنادا
وما نَهْنَهَتُ عن طَلَبٍ ولكِنْ
هيَ الأيّامُ لا تُعْطي قِيادا
فلا تَلُمِ السّوابِقَ والمَطايا
إذا غَرَضٌ من الأغراضِ حادا
لعَلّكَ أنْ تَشُنّ بها مَغاراً
فتُنْجِحَ أو تُجَشّمَها طِرادا
مُقارِعَةً أحِجّتَها العَوالي
مُجَنّبَةً نَواظِرَها الرّقادا
نَلومُ على تَبلّدِها قُلوباً
تُكابِدُ من مَعيشَتِها جِهادا
إذا ما النّارُ لم تُطْعَمْ ضِراماً
فأوْشِكْ أنْ تَمُرَّ بها رَمادا
فظُنّ بسائِرِ الإخْوانِ شَرّاً
ولا تأمَنْ على سِرٍّ فُؤادا
فلو خَبَرَتْهُمُ الجَوزاءُ خُبْري
لَما طَلَعَتْ مَخافَةَ أن تُكادا
تَجَنّبْتُ الأنامَ فلا أُواخي
وزِدْتُ عن العدُوّ فما أُعادى
ولمّا أنْ تَجَهّمَني مُرادي
جَرَيْتُ معَ الزّمانِ كما أرادا
وهَوَّنْتُ الخُطوبَ عليّ حتى
كأني صِرتُ أمْنحُها الوِدادا
أَأُنْكِرُها ومَنْبِتُها فؤادي
وكيفَ تُناكِرُ الأرضُ القَتادا
فأيّ النّاسِ أجْعَلُهُ صَديقا
وأيّ الأرضِ أسْلُكُهُ ارْتِيادا
ولو أنّ النّجومَ لديّ مالٌ
نَفَتْ كَفّايَ أكْثرَها انْتِقادا
كأني في لِسانِ الدهْرِ لَفْظٌ
تَضَمّنَ منه أغْراضاً بِعادا
يُكَرّرُني ليَفَهَمَني رِجالٌ
كما كَرّرْتَ مَعْنىً مُسْتَعادا
ولو أنّي حُبِيتُ الخُلْدَ فَرْداً
لمَا أحبَبْتُ بالخُلْدِ انفِرادا
فلا هَطَلَتْ عَلَيّ ولا بأرْضي
سَحائبُ ليسَ تنْتَظِمُ البِلادا
وكم مِن طالِبٍ أمَدي سيَلْقى
دُوَيْنَ مَكانيَ السبْعَ الشّدادا
يُؤجِّجُ في شُعاعِ الشمسِ ناراً
ويَقْدَحُ في تَلَهّبِها زِنادا
ويَطْعَنُ في عُلايَ وإنّ شِسْعي
لَيَأنَفُ أن يكونَ له نِجادا
ويُظْهِرُ لي مَوَدّتَهُ مَقالا
ويُبْغِضُني ضَميراً واعْتِقادا
فلا وأبيكَ ما أخْشَى انتِقاضاً
ولا وأبيكَ ما أرْجو ازْديادا
ليَ الشّرَفُ الّذي يَطَأُ الثُريّا
معَ الفَضْلِ الذي بَهَرَ العِبادا
وكم عَيْنٍ تُؤَمّلُ أن تَراني
وتَفْقِدُ عندَ رؤيَتِيَ السّوادا
ولو مَلأ السُّهى عَيْنَيْهِ مِنّي
أَبَرَّ على مَدَى زُحَلٍ وزادا
أفُلّ نَوائبَ الأيامِ وحْدي
إذا جَمَعَتْ كَتائِبَها احْتِشادا
وقدْ أَثْبَتُّ رِجْلي في رِكابٍ
جَعَلْتُ من الزَّماعِ له بَدَادا
إذا أوْطَأتُها قَدَمَيْ سُهَيْلٍ
فلا سُقِيَتْ خُناصِرَةُ العِهادا
كأنّ ظِماءَهُنّ بناتُ نَعْشٍ
يَرِدْنَ إذا وَرَدنا بِنا الثِّمادا
ستَعْجَبُ من تَغَشْمُرِها لَيالٍ
تُبارِينا كواكبُها سُهادا
كأنّ فِجاجَها فَقَدَتْ حَبيباً
فصَيّرَتِ الظّلامَ لها حِدادا
وقد كتَبَ الضّريبُ بها سُطوراً
فخِلْتَ الأرضَ لابِسَةً بِجادا
كأنّ الزِّبْرِقانَ بها أسيرٌ
تُجُنِّبَ لا يُفَكُّ ولا يُفادى
وبعضُ الظاعِنينَ كقَرْنِ شَمْسٍ
يَغيبُ فإنْ أضاء الفَجْرُ عادا
ولكِنّي الشّبابُ إذا تَوَلّى
فجَهْلٌ أنْ تَرومَ له ارْتِدادا
وأحْسَبُ أنّ قَلْبي لو عَصاني
فَعاوَدَ ما وَجَدْتُ له افْتِقادا
تذكَّرْتُ البِداوَةَ في أُناسٍ
تَخالُ رَبيعَهُمْ سَنَةً جَمادا
يَصيدونَ الفَوَارِسَ كلَّ يومٍ
كما تَتَصَيّدُ الأُسْدُ النِّقادا
طلَعْتُ عليهِمْ واليوْمُ طِفْلٌ
كأنّ على مَشارِقِهِ جِسادا
إذا نَزَلَ الضّيوفُ ولم يُريحُوا
كرامَ سَوامِهمْ عَقَروا الجِيادا
بُناةُ الشِّعْرِ ما أكْفَوْا رَوِيّاً
ولا عَرَفوا الإجازَةَ والسِّنادا
عَهِدْتُ لأحْسَنِ الحَيّيْنِ وَجْهاً
وأوْهَبِهِمْ طريفاً أو تِلادا
وأطْوَلِهِمْ إذا ركِبوا قَناةً
وأرْفَعِهِمْ إذا نزَلوا عِمادا
فتىً يَهَبُ اللُّجَيْنَ المَحضَ جوداً
ويَدَّخِرُ الحديدَ له عَتادا
ويَلْبَسُ من جُلودِ عِداهُ سِبْتاً
ويَرْفَعُ من رُؤوسِهِمُ النِّضَادا
أبَنَّ الغَزْوَ مُكْتَهِلاً وبَدْرا
وعُوّدَ أنْ يَسودَ ولا يُسادا
جَهولٌ بالمَناسِكِ ليس يَدري
أغَيّاً باتَ يَفْعَلُ أم رَشادا
طَموحُ السّيفِ لا يخْشَى إلهاً
ولا يَرجو القِيامَةَ والمَعادا
ويَغْبِقُ أهْلَهُ لبَنَ الصّفايا
ويَمْنَحُ قَوْتَ مُهْجَتِهِ الجَوادا
يَذودُ سَخاؤُهَ الأذْوادَ عنه
ويُحْسِنُ عن حرائِبِهِ الذِّيادا
يَرُدّ بتُرْسِهِ النّكْباءَ عنّي
ويجْعَلُ دِرْعَهُ تحْتي مِهادا
فبِتُّ وإنّما ألْقَى خَيَالاً
كمَنْ يَلْقَى الأسِنّةَ والصِّعادا
وأطْلَسَ مُخْلِقِ السِّرْبالِ يَبْغي
نَوافِلَنا صَلاحاً أو فَسادا
كأنّي إذْ نَبَذْتُ له عِصاماً
وَهَبْتُ له المَطِيّةَ والمَزَادا
وبَالي الجِسْمِ كالذّكَرِ اليَماني
أفُلّ به اليَمانِيَةَ الحِدادا
طَرَحْتُ له الوَضِينَ فخِلْتُ أني
طرَحْتُ له الحَشِيّةَ والوِسادا
وَلي نَفْسٌ تَحُلّ بيَ الرّوابي
وتأبَى أنْ تَحُلّ بيَ الوِهادا
تَمُدّ لتَقْبِضَ القَمَرَينِ كَفّا
وتَحْمِلُ كيْ تَبُذّ النجْمَ زادا
فكرة القصيدة بإيجاز
تعبر هذه القصيدة عن فكرة حكميّة عميقة مفادها أن الإنسان ينبغي أن يعرف حدود قدرته، وأن لا يسعى إلى تحقيق ما يستحيل تحقيقه.
العنقاء في القصيدة تمثل الهدف المستحيل، والطمع يمثل الرغبة المفرطة التي تدفع الإنسان إلى مطاردة هذا الهدف.
ولهذا يدعو المعري إلى الاعتدال في الطموح وإلى الحكمة في اختيار المعارك التي يخوضها الإنسان في حياته.
نبذة عن الشاعر
أبو العلاء المعرّي هو أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري، من كبار شعراء العربية في العصر العباسي. ولد في معرة النعمان سنة 363هـ/973م تقريبًا، وتوفي سنة 449هـ/1057م، وعُرف بلقبه الشهير رهين المحبسين: محبس العمى ومحبس البيت. كما تصفه Britannica بأنه شاعر أصيل الرؤية، واسع الثقافة، ذو نزعة فكرية حادة ومتميزة.
يمكنك قراءة المقال الكامل عن الشاعر هنا:
خاتمة
تكشف قصيدة «أرى العنقاء تكبر أن تُصادا» عن واحد من أبرز وجوه أبي العلاء المعرّي: علو الهمة الممزوج بخبرة الخيبة، والكرامة التي لا تتنازل، والنظر الحذر إلى الناس والزمن. ولهذا بقيت من النصوص التي تُقرأ لا بوصفها قصيدة فخر فقط، بل بوصفها رؤية في الاستحالة والطموح والمجد والاعتداد بالنفس. أما مقال التحليل، فيفتح بابًا أوسع لفهم رمز العنقاء، ومعنى الاستعصاء، وطبيعة هذه النبرة العالية في عالم المعرّي.
قصائد أخرى لأبي العلاء المعري
- نص قصيدة غير مجدٍ في ملتي واعتقادي
- نص قصيدة هذا ما جناه أبي عليّ
- نص قصيدة ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل

