محمد المهدي المجذوب

محمد المهدي المجذوب

الشاعر الذي جعل السودان قصيدة

شاعرٌ جعل السودان يدخل القصيدة من بابه الواسع

حين يُذكر الشعر السوداني الحديث، يظل اسم محمد المهدي المجذوب واحدًا من الأسماء التي يصعب تجاوزها، لا لأنه شاعر بارز في جيله فقط، بل لأنه من الأصوات التي منحت القصيدة السودانية الحديثة ملامحها الأوضح، ودفعتها إلى أن تكتشف لهجتها الداخلية الخاصة، وصورها المحلية، وجرأتها الأسلوبية، وميلها إلى أن تكون عربية في أداتها، سودانية في روحها، ومعاصرة في رؤيتها. وتشير الشهادات الثقافية الحديثة إلى أن المجذوب يُعد من أهم شعراء السودان في القرن العشرين، وأنه ظل، على الرغم من محدودية الاحتفاء العربي الواسع به مقارنةً بأسماء أخرى، حاضرًا بقوة في وجدان الشعراء والدارسين داخل السودان وخارجه، كما تصفه بعض المواد المرجعية بأنه من رواد تحديث الشعر السوداني ومن الأصوات المؤسسة لحساسيته الجديدة.

ولا تأتي أهمية المجذوب من كونه مجددًا بالمعنى الشكلي المجرد فقط، بل من كونه شاعرًا استطاع أن ينقل إلى القصيدة العربية الفصحى حياة السودان اليومية، ووجوه ناسه البسطاء، ولهجة أرضه، وإيقاع خلواته، وصراع المدينة والقرية، وتوتر الأرومة والتمرد. ومن هنا بدا مشروعه الشعري أوسع من حدود السيرة الفردية، لأنه كان في الجوهر مشروعًا للبحث عن السودانوية داخل اللغة العربية الشعرية، أي عن ذلك الطابع الذي يجعل القارئ يشعر أنه أمام شعر ينتمي إلى هذه الأرض بخصوصيتها التاريخية والثقافية والوجدانية. ولهذا استحق أن يُقرأ بوصفه شاعرًا محوريًا، لا مجرد اسم من أسماء جيل مضى.

النشأة والميلاد

الدامر بوصفها الجذر الأول

وُلد محمد المهدي المجذوب في مدينة الدامر في شمال العاصمة السودانية سنة 1919، في أسرة عريقة عُرفت بالقرآن والشعر والتصوف، وهي أسرة المجاذيب التي ارتبط اسمها بالمكان نفسه حتى غدت المدينة تُعرف في بعض السياقات باسم دامر المجذوب. وتوضح الشهادات المنشورة عنه أن هذه النشأة لم تكن مجرد خلفية اجتماعية، بل كانت جزءًا من نسيجه النفسي والمعرفي، لأن البيت الذي خرج منه كان بيت علم وذكر وإنشاد، وكانت نار القرآن، بحسب التعبير الذي استعاد به هو نفسه أجواء بيئته، واحدة من العلامات المؤسسة لوعيه المبكر. كما نشأ قريبًا من ابن عمّه وصديقه الأثير عبد الله الطيب بعد أن تربى هذا الأخير في بيتهم، وهو ما منح عالمه المبكر صداقة أدبية وإنسانية ستظل ظاهرة في ذاكرته الشعرية.

وتكمن أهمية هذه البيئة في أنها جعلت الشاعر، منذ بداياته، يعيش داخل تجاور نادر بين التصوف والفقه، وبين السماع والإنشاد، وبين القرآن والشعر، وبين الهيبة الأسرية والانضباط الروحي من جهة، وبين حساسية الفنان المتمرد من جهة أخرى. فالمجذوب لم يخرج من فراغ ثقافي أو من تربية مدنية باردة، بل من مناخ كثيف بالدين واللغة والذكر والسرد والهيبة العائلية، وهو ما سيتحول لاحقًا في شعره إلى خليط من الاعتزاز بالأصل، والنفور من القيد، والحنين إلى الطفولة، واستدعاء المشاهد السودانية الأولى. ومن هنا تبدو الدامر في سيرته أكثر من مكان للميلاد؛ إنها الينبوع الأول الذي خرجت منه لغته وصوره وقلقه معًا.

الخلوة والخرطوم

من التعليم الديني إلى التعليم الحديث

بدأ المجذوب تعليمه في الخلوة القرآنية في الدامر، ثم انتقل بعدها إلى مدارس الحكومة في الخرطوم، حتى تخرج في كلية غوردون، التي صارت لاحقًا نواة جامعة الخرطوم. ويكتسب هذا المسار التعليمي أهمية خاصة لأنه يكشف طبيعة التكوين المزدوج الذي صنعه: من جهة، جذور قرآنية تقليدية تشبع بالإنشاد والحفظ والإيقاع واللغة، ومن جهة أخرى تعليم حديث داخل المؤسسة الاستعمارية/الحكومية أتاح له أن يرى العالم بعين أخرى. وقد نقلت عنه الشهادات أنه وصف هذا الانتقال بنفسه، مشيرًا إلى أنه خرج من ليل الدامر الساكن إلى صخب الخرطوم، وهي عبارة تصلح لتلخيص فرق العالمين اللذين عاش بينهما.

لكن هذا الانتقال لم يكن هادئًا أو منسجمًا تمامًا، لأن المجذوب، كما تذكر شهادة الدكتور الصديق عمر الصديق، كان شديد الاعتزاز بأرومته، وفي الوقت نفسه يشعر أن في هذه الأرومة نفسها قيودًا على روح الفنان. وتروي الشهادة أنه أراد أن يكون رسامًا، لكن والده، بوصفه أستاذًا للشريعة، منعه من ذلك، ولم يجز له إلا رسم ما لا روح فيه، وأن هذه القيود المبكرة تركت صداها في شعره، حتى أشار هو نفسه إلى شيء من ذلك بقوله: “تركت القيد عند أبي لغيري / وقيدني التجارب والهموم”. وهذا التوتر المبكر بين الانتماء والتمرد، بين البيت المحافظ والخيال الحر، سيبقى واحدًا من المفاتيح الأساسية لفهم شخصيته الشعرية.

الخرطوم في وعيه

المدينة التي لم تُروّضه

على الرغم من أن الخرطوم منحته التعليم والمؤسسة والوظيفة والانفتاح، فإنها لم تتحول عنده إلى موطن وجداني صافٍ. فالجزيرة تنقل عن الشاعر والناقد أبو عاقلة إدريس أن المجذوب ظل محبًا للدامر وخلوة القرآن وأصوات المنشدين، وأنه لم تأسره الخرطوم ولم يألفها، بل سمّاها في شعره “مدينة الترك”، وجعل منها رمزًا لشيء من الاغتراب والضيق والحنين إلى البراءة الأولى. ومن هنا فإن الخرطوم في تجربته ليست مجرد عاصمة حديثة، بل مكان صدام بين روح ريفية/روحية أولى وبين عالم الموظفين والمدينة الحديثة والإيقاع الرسمي للحياة.

وهذا مهم جدًا لأن كثيرًا من قوة المجذوب الشعرية تأتي من هذا الانشطار الداخلي: فهو ابن المدينة بقدر ما هو ابن القرية، ويعرف الوظيفة الحديثة بقدر ما يعرف الخلوة والبادية والناس البسطاء. ولذلك لا تبدو قصيدته منسجمة تمامًا مع خطاب التمدن المألوف، بل تحمل دائمًا توترًا بين عالمين. وربما كان هذا ما منحها ذلك النفس الخاص الذي يجعلها تحتفي بالهامش أكثر من المركز، وبالناس البسطاء أكثر من الأبهة الرسمية، وبالصور الحية أكثر من اللغة المنقحة الباردة. فالمجذوب لم يسمح للمدينة أن تمحو أصلَه، بل حوّل هذا الصراع نفسه إلى طاقة شعرية.

العمل والتنقل في السودان

من الوظيفة إلى اتساع التجربة

بعد تخرجه في كلية غوردون عمل محمد المهدي المجذوب محاسبًا حكوميًا، وهو ما تؤكده شهادة Sudanow التي تصفه بأنه خريج كلية غوردون وعمل محاسبًا في الدولة. لكن قيمة هذه الوظيفة في سيرته لا تكمن في طبيعتها الإدارية، بل في أنها أتاحت له أن يتنقل في أنحاء السودان من أقصى الشرق إلى أقصى الجنوب وأقصى الغرب، كما نقل هو نفسه في مقدمة ديوانه الأول، حيث قال إنه سمع ورأى وجرّب كثيرًا، حزنًا وسرورًا، وصنع شعره على أحوال مختلفات. هذه الجملة تكشف أن الوظيفة لم تكن عنده مجرد عمل معاشي، بل كانت بابًا إلى اتساع التجربة الحية.

ومن هنا نفهم لماذا اتخذ شعره ذلك الطابع السوداني الواسع: لأنه لم يكتب السودان من نافذة واحدة، بل من معايشة متنوعة لأمكنته ووجوهه ولهجاته وطبقاته الاجتماعية. فهو لم يكن شاعر العاصمة وحدها، ولا شاعر بيئته الشمالية وحدها، بل شاعرًا خبر البلاد في اتساعها، واختلط بالناس، وسمع أصواتهم، واحتك بالمهمشين والفقراء وأصحاب الحِرف وصغار الناس. وقد انعكس ذلك في موضوعاته وصوره واختياره للشخصيات التي تدخل قصيدته، وفي شعوره بأن الشعر ينبغي أن يُؤخذ “من أعماق البلد” لا من النماذج الجاهزة. وهذا هو أحد أسرار أصالته الكبرى.

السودانوية

كيف أدخل السودان إلى القصيدة العربية؟

من أكثر المصطلحات التصاقًا باسم محمد المهدي المجذوب مصطلح “السودانوية”. وتوضح الشهادات النقدية أن هذا المفهوم كان يعني، في أحد وجوهه، كتابة شعر يعرف قارئه من أول وهلة أنه شعر سوداني، حتى لو كان مكتوبًا بالعربية الفصحى. وقد نقلت الجزيرة عن الدكتور أسامة تاج السر أن المجذوب “نقل الحياة السودانية إلى الشعر”، وأنه كان من أوائل من مزجوا بين الفصيح والعامي، وأن مشروع السودانوية عنده كان تقنية أسلوبية لا مجرد شعار ثقافي. كما يرد في نتائج البحث عن أعماله أن بعض النقاد عدّوه أول شاعر تتجلى في شعره بوضوح ثنائية الانتماء العربي والأفريقي داخل الأدب السوداني الحديث.

ولا تعني السودانوية عنده الانغلاق المحلي أو الاكتفاء بوصف البيئة، بل تعني أن القصيدة العربية يمكن أن تتشرب إيقاع الأرض السودانية، وصور ناسها، ومفردات حياتهم، ونبرة كلامهم، وروحهم المركبة، من غير أن تتخلى عن فصحاها أو عن طموحها الفني. ولهذا يصبح المجذوب شاعرًا مؤسسًا لا لأنه كتب عن السودان فقط، بل لأنه اكتشف كيف يكتب السودان شعريًا. وهذه مسألة أكبر من الموضوع، لأنها تمس طبيعة اللغة نفسها: كيف تتسع العربية لتاريخ محلي مختلف؟ وكيف يدخل “البلد” في نسيج القصيدة لا في عنوانها فقط؟ عند هذه النقطة يصبح المجذوب، حقًا، شاعرًا محوريًا في بناء الحساسية الحديثة للشعر السوداني.

التمرد والجرأة

شاعر لا يطمئن إلى السائد

تكشف الشهادات النقدية عن المجذوب أنه كان متمردًا بطبعه، وأن هذا التمرد لم يكن سلوكيًا فحسب، بل جماليًا أيضًا. فالجزيرة تنقل عن أكثر من ناقد أنه لم يكن يألف المألوف بسهولة، وأنه لم يتورع في نقد الذوق السائد أو في مخالفة ما تعارف عليه النقاد، وأنه كان جريئًا في الصورة وفي الرؤية معًا. وهذه الجسارة تبدو واضحة حتى في بعض أمثلته الشعرية التي نقلتها الشهادات، مثل وصفه السيجارة في صورة أنثوية حميمة وجريئة، وهي صورة تكشف عن شاعر لا يخاف من نقل الحياة اليومية إلى الشعر، ولا من الاقتراب من الأشياء الصغيرة والعادية بوصفها مادة فنية كاملة.

وهذه الجرأة لا تعني أنه كان شاعر صدمة مجانية، بل تعني أنه كان شاعرًا يسعى إلى تحرير القصيدة من وقارها المتكلّف، وإعادتها إلى تماسها المباشر بالحياة. فهو يجرؤ على الصورة، ويجرؤ على إدخال الكلام اليومي في النسيج الفصيح، ويجرؤ على منح الفقراء والمهمشين موضعًا مركزيًا في الشعر، لا بوصفهم موضوع شفقة، بل بوصفهم أهل صدق ومعنى ووجود حقيقي. ومن هنا اكتسب شعره نبرة مختلفة عن كثير من شعراء الفخامة المدرسية؛ فهو لا يقف على مسافة من العالم، بل ينزل إلى الشارع والمقهى والقرية والنهر والمسكين والشحاذ والدكان، ويعيد بناء كل ذلك شعرًا.

الصورة الشعرية في عالمه

الرسم الذي أُنجز بالكلمات

من أجمل ما ورد في الشهادات النقدية عن المجذوب قول الدكتور الصديق عمر الصديق إنه “شاعر الصورة بامتياز”، وإن الرسم الذي حُرم منه صغيرًا أجاده شعرًا. وهذه العبارة ليست مجازًا نقديًا عابرًا، بل تكشف عن سمة عميقة في قصيدته: فهو شاعر يرى قبل أن يشرح، ويرسم قبل أن يقرر، ويعتمد على التقاط المشهد وعلى جرأة في بناء الصورة تجعل القارئ يشعر أنه أمام شاعر يشتغل بعين الرسام لا بعقل الناظم فقط. ومن هنا فإن شعره، حتى حين يكون مشدودًا إلى الفكرة أو إلى الهوية أو إلى الهم الوطني، يظل مشبعًا بحس بصري قوي.

ولعل هذا ما يفسر بقاء قصيدته حية في الذاكرة، لأن الصورة الجيدة لا تعطي المعنى وحده، بل تمنحه جسدًا حسيًا. والمجذوب كان بارعًا في هذا الباب: يأخذ من السوداني اليومي ما هو بسيط ومهمل وعابر، ثم يرفعه إلى مستوى التعبير الشعري من غير أن يفقده طزاجته الأولى. ولذلك لا يبدو وصفه ناتجًا عن ثقافة بلاغية محفوظة فقط، بل عن معايشة ورؤية ولمس مباشر للأشياء والناس. وهذه خصيصة كبيرة، لأنها تجعل شعره أكثر قربًا من الحياة، وأكثر مقاومةً للشيخوخة.

أعماله الشعرية

من نار المجاذيب إلى منابر

تجمع المواد المرجعية المتاحة على أن محمد المهدي المجذوب نشر عددًا من الدواوين والكتب الشعرية، وأن Sudanow أشارت إلى أنه نشر تسعة كتب من الشعر وكتب عددًا من المقالات. كما تذكر الفهارس المتداولة، ومنها النتائج المرجعية التي ظهرت في البحث، عناوين أعماله الأبرز مثل «نار المجاذيب» (1969)، و**«الشرافة والهجرة»** (1973)، و**«البشارة، الغربان، الخروج»** (1975)، و**«منابر»** (1982)، و**«تلك الأشياء»** (1982)، ثم أعمال صدرت بعد وفاته مثل «شحاذ في الخرطوم» و**«القسوة في الحليب»** و**«أصوات ودخان»** و**«غارة وغروب»**. ومن الواضح من هذه العناوين وحدها أن مشروعه لم يكن مشروع كتاب واحد ناجح، بل مسارًا شعريًا طويلًا نسبيًا ومتعدد الوجوه.

وأهم ما يكشفه هذا المسار أن المجذوب لم يكن شاعرًا محكومًا بغرض واحد أو نبرة واحدة. فعنوان مثل «نار المجاذيب» يعيدنا إلى الأصل الروحي والأسري، بينما يوحي «الشرافة والهجرة» بحركة بين المكان والهوية والرحيل، ويذهب «شحاذ في الخرطوم» نحو المدينة والهامش والناس العاديين، وتفتح عناوين مثل «أصوات ودخان» و**«غارة وغروب»** أفقًا أكثر قتامة وتأملًا. ومن هنا يمكن النظر إلى أعماله بوصفها خريطة داخلية لتطور الشاعر من الجذر إلى المدينة، ومن السيرة إلى الرؤية، ومن الانتماء إلى نقد العالم المحيط.

  • ديوان نار المجاذيب – 1969 م
  • ديوان الشرافة والهجرة – 1973 م
  • ديوان منابر – 1982 م
  • ديوان تلك الأشياء – 1982 م
  • شحاذ في الخرطوم – 1984 م(مسرحية شعرية)
  • ديوان القسوة في الحليب – 2005 م
  • ديوان أصوات ودخان -2005 م
  • ديوان غارة وغروب 2013م
  • مطولة البشارة، الغربان، الخروج 1975م
  • المولد
  • القوقعة الفارغة
  • غروب
  • رقصة الحمامة
  • البحر

مكانته في الشعر السوداني والعربي

تذهب الشهادات السودانية الحديثة إلى أن محمد المهدي المجذوب واحد من أهم الشعراء السودانيين في القرن العشرين، بل من الأصوات التي غيرت وجه الشعر في بلده، وهذا ما تؤكده Sudanow حين تصفه بأنه من الرواد المعترف بهم في تحديث الشعر السوداني، وأنه أسس، إلى حد كبير مع قريبه عبد الله الطيب، مدرسة شعرية تتجنب محاكاة النماذج العتيقة الجامدة وتبحث عن خلق شعري متحرر وحديث. كما تشير بعض الكتابات الحديثة إلى أنه لم يأخذ حقه من الذيوع العربي الواسع قياسًا بقيمة أثره، شأن عدد من كبار شعراء السودان.

وهذا التقدير لا يقوم على المجاملة المحلية، بل على حقيقة فنية واضحة: أن المجذوب نجح في أن يجعل القصيدة السودانية الحديثة تملك صوتًا خاصًا، وأن يُخرجها من التبعية الصرفة للمركز الشعري المشرقي، من غير أن يقطعها عن العربية الكبرى. وهذه معادلة نادرة وصعبة؛ لأن الشاعر قد يسقط في المحلية الضيقة إذا بالغ في الخصوصية، أو في التبعية إذا اكتفى بتقليد النماذج الكبرى. أما المجذوب فقد حاول أن يقف في المسافة الأصعب: أن يكون سودانيًا تمامًا، وعربيًا تمامًا، وحديثًا من غير ضجيج نظري. ولهذا يبقى اسمه، رغم تفاوت الانتشار، من الأسماء التي لا يمكن تجاوزها في أي حديث جاد عن تطور الشعر في السودان والعالم العربي.

وفاته وخاتمة المسيرة

توفي محمد المهدي المجذوب في 3 مارس/آذار 1982، وتذكر الجزيرة أن الخرطوم ودعته في ذلك اليوم، بينما تذكر نتيجة ويكيبيديا أنه توفي في أم درمان، وهو اختلاف يمكن فهمه في إطار أن التشييع والوداع جرى في فضاء الخرطوم الكبرى. وفي كل الأحوال، فقد رحل بعد أن ترك وراءه تجربة شعرية شديدة الخصوصية، وبعد أن صار في نظر كثيرين شاعر المساكين، وشاعر السودانوية، وأحد كبار مجددي الشعر السوداني.

ولعل من دلالة موته أنه جاء بعد أن كان قد أكمل، إلى حد بعيد، ملامح مشروعه: كتب عن أصله، وعن المدينة، وعن الفقراء، وعن السودان، وعن اللغة، وعن القيد والتمرد، وترك للأجيال التالية نموذجًا مختلفًا في فهم وظيفة الشاعر. فهو لم يكن شاعرًا خطابيًا، ولا شاعرًا مدرسيا، ولا شاعر نخبة معزولًا عن الناس، بل كان شاعرًا يعرف أن القصيدة إذا لم تدخل في لحم الحياة اليومية فلن تصير ذاكرة حقيقية لأمة أو لمكان. وهذه السمة هي ما يجعل رحيله خاتمةً لجسد الشاعر لا لصوته.

خاتمة

لماذا يستحق محمد المهدي المجذوب مقالًا محوريًا؟

يستحق محمد المهدي المجذوب أن يُقرأ قراءة مركزية لأنه واحد من الشعراء الذين لا يضيفون إلى تقاليد القصيدة نصوصًا جيدة فقط، بل يضيفون طريقة جديدة في أن تكون القصيدة ابنة أرضها. لقد خرج من الدامر حاملًا القرآن والخلوة والأصل الصوفي، وذهب إلى الخرطوم وغوردون والوظيفة الحديثة، وطاف بالسودان، واختلط بالناس، ثم عاد ليكتب شعرًا لا ينكر هذا كله، بل يصهره في لغة عربية حية، جريئة، مصوِّرة، متمردة، ومشبعة بتفاصيل السودان ووجعه وأصالته.

ولهذا فإن الحديث عن المجذوب ليس حديثًا عن شاعر موهوب في إطار محلي محدود، بل عن علامة كبرى في تشكيل الحساسية الشعرية السودانية الحديثة، وعن شاعر استطاع أن يمزج الفصيح والعامي، والقرية والمدينة، والروحانية والتمرد، والهوية الوطنية بالأفق العربي، من غير أن يفقد حرارة الشعر أو صدقه. ومن هنا يبقى محمد المهدي المجذوب شاعرًا لا يُقرأ احترامًا للتاريخ فقط، بل لأن قصيدته ما تزال، حتى اليوم، تملك القدرة على أن تجعل السودان يتكلم داخل العربية بصوته الخاص.

            اترك تعليقاً

            لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *