رواية “فرانكشتاين في بغداد”

الرواية التي جعلت الوحش مرآةً لمدينة تمزق نفسها

حين تستعير الرواية أسطورة قديمة لتكتب خرابًا عربيًا حديثًا

تُعد رواية فرانكشتاين في بغداد لأحمد سعداوي واحدة من أهم الروايات العربية في العقدين الأخيرين، لأنها لم تكتفِ باستعارة اسم “فرانكشتاين” من الإرث الروائي العالمي، بل أعادت بناء هذه الاستعارة داخل واقع بغداد بعد الاحتلال الأميركي، وفي قلب مدينة تحولت فيها الجثث والأشلاء والانفجارات والشك والخوف إلى جزء من الحياة اليومية. وقد صدرت الرواية بالعربية سنة 2013، وتدور أحداثها في بغداد عام 2005، ثم نالت الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2014، وهو ما رسخ حضورها بوصفها عملًا جمع بين الجرأة الفنية والقوة الرمزية والقدرة على قراءة العنف العراقي من داخل مادته الأكثر قسوة.

غير أن أهمية الرواية لا تأتي من موضوعها الصادم أو من نجاحها النقدي فقط، بل من قدرتها على أن تجعل الوحش نفسه سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا، لا مجرد عنصر غرائبي أو كائن مرعب في حبكة مشوقة. فالرواية لا تسأل من قتل من فقط، ولا من أين جاء الوحش، بل تسأل قبل ذلك وبعده: ما الذي يحدث لمجتمع يتكاثر فيه الموت إلى درجة يصبح فيها الجسد الإنساني نفسه قابلًا للتفكك وإعادة التركيب؟ وما الذي يبقى من العدالة حين تتحول الضحية إلى جلاد، ثم يتحول الجلاد بدوره إلى ضحية جديدة داخل دوامة لا تنتهي؟ ومن هنا فإن فرانكشتاين في بغداد ليست رواية رعب بالمفهوم السطحي، بل رواية عن انهيار المعنى في مدينة لم تعد تعرف كيف تفصل بين القصاص والانتقام، وبين الدم البريء والدم الذي يجر دمًا آخر.

أحمد سعداوي

الكاتب الذي التقط بغداد وهي تتحول إلى مجاز

ينتمي أحمد سعداوي إلى جيل من الكتّاب العراقيين الذين لم يكتبوا الحرب من مسافة باردة، بل من داخل مدينة عاشت التحول العنيف بكل أشكاله، وهو روائي وشاعر وكاتب سيناريو وصانع أفلام وثائقية من بغداد، وقد أصبح أول عراقي يفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية حين فازت بها هذه الرواية في 2014. وهذه الخلفية ليست تفصيلًا عابرًا، لأنها تساعد على فهم حساسيته تجاه التفاصيل اليومية للخراب، وتجاه الطريقة التي يمكن بها للواقع العراقي أن يبدو واقعيًا وفانتازيًا في الوقت نفسه، حتى يصير الحد الفاصل بين الكابوس والحياة العادية بالغ الرقة والهشاشة.

ولهذا لا يكتب سعداوي بغداد بوصفها مجرد مسرح للأحداث، بل يكتبها كجسد ممزق، كمدينة تتكلم من خلال الشظايا، ومن خلال الشوارع المتوترة والبيوت المرتابة والمقاهي التي تجمع الخائفين والمتعبين والساخرين والناجين مؤقتًا. إن الكاتب هنا لا يصف مدينة مستقرة أصابها حدث استثنائي، بل يكتب مدينة صارت الاستثنائية فيها قاعدة، وصار العنف فيها روتينًا يوميًا، وهذا ما يمنح الرواية توترها الخاص، لأن كل ما يبدو فيها غرائبيًا يجد ما يبرره داخل واقع أكثر غرابة من الخيال نفسه.

بغداد في الرواية

المدينة التي فقدت تماسكها وصارت تجمع أشلاءها

لا يمكن فهم فرانكشتاين في بغداد من دون التوقف طويلًا عند صورة بغداد نفسها، لأن المدينة في هذه الرواية ليست خلفية محايدة للأحداث، بل هي الشخصية الكبرى التي تدور داخلها كل الشخصيات الأخرى وتتشكل على إيقاع خرابها. إنها بغداد بعد 2003، المدينة التي تعيش تحت الاحتلال والعنف الطائفي والانفجارات والاغتيالات والارتياب المتبادل، حتى لم يعد الموت فيها حدثًا صادمًا بقدر ما صار جزءًا من انتظام الحياة نفسها، وصار الناس يتعاملون مع الجثث المتناثرة والأطراف المبتورة كما لو أنها من مكونات المشهد اليومي. والرواية تستثمر هذا الانهيار الكامل في بنية المدينة لكي تجعل من فكرة “التركيب” نفسها فكرة مركزية: المدينة مفككة، المجتمع مفكك، السلطة مفككة، والذاكرة مفككة، ولذلك لا يبدو الكائن المركب من أشلاء الضحايا شذوذًا كاملًا عن العالم، بل يبدو امتدادًا مجازيًا له.

في هذا المعنى، تصبح بغداد أكثر من مكان، تصبح نصًا مكسورًا يحاول أن يكتب نفسه من جديد من خلال ما تبقى منه. وهنا تكمن قوة الرواية، لأنها لا تكتفي بتوثيق الفوضى، بل تحول الفوضى إلى بنية جمالية وفكرية، وتجعل القارئ يشعر أن الوحش ليس الدخيل الوحيد على المدينة، بل إن المدينة نفسها صارت شيئًا هجينًا، شيئًا لا يستقر على صورة واحدة، ولا يستطيع أن يتكلم إلا من خلال التمزق.

الحكاية الأولى

من يجمع الأشلاء ولماذا؟

تنطلق الرواية من فكرة شديدة البساطة وشديدة الرعب في آن معًا: رجل اسمه هادي، يعمل في جمع الأشياء المستعملة ويعيش على هامش المجتمع، يبدأ في جمع أجزاء بشرية متناثرة من ضحايا الانفجارات، ثم يقوم بخياطتها معًا في جسد واحد. ويقدم هادي هذا الفعل بوصفه محاولة لمنح الموتى جسدًا كاملًا يمكن دفنه باحترام، أي أن البداية لا تنطلق من رغبة في خلق وحش، بل من رغبة مرتبكة ومأساوية في ترميم ما لم يعد قابلًا للترميم. هذا التفصيل وحده يكشف عبقرية الرواية، لأنها تجعل الفعل المرعب يخرج من دافع إنساني مشوه، ومن إحساس بأن الضحايا لم يعودوا حتى يملكون الحق في أن يُدفنوا كاملين.

لكن ما يحدث لاحقًا يحول هذا الفعل من مبادرة فردية هامشية إلى كارثة رمزية كبرى، لأن الجسد المركب لا يبقى جثة صامتة، بل يتحول إلى كائن حي، إلى مخلوق يبدأ في التحرك والقتل والتعقب، ويبرر أفعاله بأنها قصاص للضحايا الذين تكوّن من أشلائهم. ومن هنا تبدأ الرواية في طرح السؤال الأخطر: هل يمكن للعدالة أن تولد من الأشلاء؟ وهل يمكن للقصاص أن يبقى نقيًا حين يكون مبنيًا على جثث متفرقة تعود إلى ضحايا مختلفين، لكل واحد منهم حكاية ودم وثأر؟ هنا يتحول الوحش من حدث غرائبي إلى مأزق أخلاقي شديد التعقيد.

الوحش: ليس كائنًا مرعبًا فقط بل فكرة عن العدالة حين تفسد

الكائن المركب في الرواية ليس مهمًا لأنه يخيف الناس أو يثير الرعب في الشوارع فقط، بل لأنه يحمل من داخله ادعاءً أخلاقيًا. إنه يرى نفسه ممثلًا لضحايا قُتلوا ظلمًا، ويعتبر أن مهمته هي الانتقام لهم، أي أنه في بدايته لا يظهر بوصفه شرًا خالصًا، بل كنوع من العدالة السوداء الخارجة من تحت أنقاض المدينة. وهذا ما يجعل الرواية أعمق بكثير من حكاية عن مسخ يقتل الناس، لأنها تدفع القارئ إلى أن يتساءل: هل العنف الذي يرفع شعار الإنصاف يظل عدالة فعلًا؟ أم أنه يتحول تدريجيًا إلى دورة لا تنتهي من الدم، بحيث يصبح كل قاتل ضحيةً لدم سابق، وكل ضحية مشروعَ قاتل جديد؟

إن أخطر ما في هذا الوحش أنه لا يولد من فراغ، بل من مجموع الضحايا أنفسهم، ولذلك فهو يحمل من البداية تناقضه الجوهري: إنه يريد أن يثأر للمقتولين، لكنه لا يستطيع أن يستمر إلا بأن يقتل، ومع كل قتيل جديد يحتاج إلى أجزاء جديدة لكي يعوض ما يتلف من جسده، وهنا تنقلب فكرة العدالة إلى ماكينة إنتاج متواصل للضحايا. ومن هذه النقطة تحديدًا تكشف الرواية عن عمقها، لأنها تقول إن العنف حين يبدأ بدعوى الإنصاف قد ينتهي إلى أن يصبح غايةً مستقلة، وأن المجتمعات الممزقة قد تنتج وحوشها من داخل جراحها نفسها، لا من خارجها فقط.

من الضحية إلى الجلاد: التحول الأخلاقي الذي يفضح المدينة كلها

من أقوى ما تفعله الرواية أنها ترفض الثنائية السهلة بين الضحية والجلاد، لأن الوحش نفسه، مع تقدّم الأحداث، لا يعود ممثلًا بريئًا للموتى، بل يصير بدوره قاتلًا يحتاج إلى قتل جديد ليستمر. وهنا لا تبقى المسألة متعلقة بشخصية هذا الكائن وحده، بل تتحول إلى استعارة عن بغداد كلها، بل عن أي مجتمع يعيش في مناخ ثأري تتداخل فيه الجرائم إلى الحد الذي يفقد معه الجميع براءتهم الأولى. فالمدينة التي امتلأت بالضحايا تلد من ضحاياها جلادًا جديدًا، ثم يصبح هذا الجلاد نفسه ضحية بنية أوسع من العنف لا يسيطر عليها أحد.

وفي هذا المستوى، يبدو الوحش كأنه النسخة الأكثر صدقًا من المدينة نفسها: مركب من أجساد مختلفة، من آلام مختلفة، من هويات مختلفة، من موتى لم يعودوا قادرين على الكلام، لكنه بدل أن يعيد لهم الكلام يعيد لهم الدم. وهكذا تكشف الرواية أن الخراب لا يقتصر على الشوارع والمؤسسات، بل يضرب قلب الفكرة الأخلاقية ذاتها، بحيث لا يعود أحد قادرًا على الادعاء بأنه خارج الدائرة، لأن الدائرة قد اتسعت إلى الحد الذي صار يشمل الجميع.

هادي: الهامشي الذي صنع الكارثة ولم يفهمها تمامًا

شخصية هادي من أكثر الشخصيات إثارة في الرواية، لأنها لا تمثل العقل المدبر الشرير، ولا العالم المجنون الذي يصنع وحشه عن قصد كما في الرواية الغربية الكلاسيكية، بل تمثل الهامشي المنكسر، الرجل الذي يعيش في خرائب المدينة ويحاول أن يمنح الموتى شيئًا من الكمال الرمزي، ثم يجد نفسه فجأة في قلب مأساة أكبر من قدرته على الفهم أو السيطرة. إن هادي لا يصنع الوحش من موقع القوة، بل من موقع العجز، من موقع شخص يرى أن الدولة فشلت، وأن المجتمع اعتاد منظر الأشلاء، وأن الموتى لم يعودوا حتى يملكون أجسادًا كاملة ليدفنوا.

وهنا تكمن فرادة الرواية، لأن صانع الوحش ليس طاغية ولا عالمًا معزولًا في مختبر، بل شخص عادي تمامًا، رجل من الهامش البغدادي، بما يحمله من فوضى وعشوائية وسخرية وحزن مكتوم. وهذا الاختيار الفني شديد الذكاء، لأنه يربط الكارثة مباشرة بالعالم الاجتماعي المنهار، ويجعل الوحش ابن الفوضى اليومية لا ابن مشروع خارق للطبيعة.

الشخصيات الأخرى: المدينة كلها تتكلم من زوايا متعددة

لا تعتمد فرانكشتاين في بغداد على خط سردي واحد أو منظور فردي ضيق، بل تفتح عالمها على شخصيات متعددة تمثل زوايا مختلفة من المدينة: الصحافي، العجوز، الجار، المسؤول الأمني، المنجم، المهووس، الضحية، الراصد، المؤمن بالخرافة، والمصدق للروايات الرسمية أو الشعبية. وهذا التعدد ليس مجرد توسعة للحبكة، بل جزء من معنى الرواية نفسها، لأن بغداد لا يمكن أن تُرى من نافذة واحدة، والخراب لا يصدر من مؤسسة واحدة أو وعي واحد، بل من مجموع أصوات متداخلة، متوترة، متناقضة أحيانًا.

ومن خلال هذا التعدد السردي تنجح الرواية في بناء مدينة كاملة، لا مجرد حادثة مركزية. كل شخصية تضيف طبقة جديدة إلى صورة الخراب، وتكشف أن الوحش لم يظهر في فراغ، بل في عالم مأهول بالخوف، بالشائعات، بالتفسيرات المتضاربة، وبمحاولات مستمرة لإضفاء معنى على ما فقد معناه أصلًا. وهذا ما يمنح النص حيويته، لأن القارئ لا يواجه رمزًا جامدًا، بل عالمًا روائيًا يتحرك ويضطرب ويتكاثر داخله التأويل.

الخرافة والبيروقراطية

حين يعجز الواقع عن تفسير نفسه

من العناصر البارعة في الرواية هذا المزج بين الخرافي واليومي، بين ما يبدو أسطوريًا وبين ما يبدو إداريًا وسلطويًا، لأن المدينة التي لا تستطيع مؤسساتها تفسير ما يجري، ولا ضبط ما يتكاثر من دم وموت، تفتح المجال تلقائيًا للخرافة، للإشاعة، للتأويل الغيبي، وللرغبة في تصديق أي شيء. وفي المقابل، تحاول الأجهزة الرسمية أن تبدو مسيطرة، فتنتج خطاباتها وتصوراتها ومتابعاتها، لكن هذه البيروقراطية نفسها تظهر عاجزة، مرتبكة، تسعى إلى الإمساك بالوحش كما لو أنها تستطيع ضبط الخراب نفسه بمحضر أو ملف أو أمر إداري.

هنا تكشف الرواية شيئًا شديد الأهمية: حين ينهار الواقع إلى هذا الحد، لا تعود الخرافة نقيضًا له، بل تصبح شريكته في التعبير عنه. فالعالم الذي تتناثر فيه الأشلاء، وتعم فيه الانفجارات، وتفقد فيه السلطة معناها، هو عالم يسمح للميت أن يعود، وللمركب من أشلاء متعددة أن يبدو منطقيًا أكثر من كثير من الخطابات الواقعية.

فرانكشتاين العراقي

ما الذي تغيّر عن النص الأصلي؟

من السهل أن يقال إن الرواية تستعير فكرة فرانكشتاين من ماري شيلي، لكن هذه العبارة تبقى ناقصة إذا لم نفهم ما الذي فعله أحمد سعداوي بهذه الاستعارة. ففي النص الغربي الكلاسيكي ترتبط المسألة بالعلم، بالطموح البشري، بتجاوز الحدود، وبمأزق الخلق غير المسؤول. أما في فرانكشتاين في بغداد فإن المسألة تنتقل من المختبر إلى الشارع، من سؤال العلم إلى سؤال الحرب، من الفرد الذي يطمح إلى سر الحياة إلى مدينة تحاول أن تجمع قتلاها في جسد واحد. وبذلك لا يعود “الوحش” نتيجة تجربة علمية متعالية، بل نتيجة مباشرة لانفجار المجتمع نفسه.

وهذا التحول بالغ الدلالة، لأنه يجعل الرواية العربية لا تقلد أصلًا أدبيًا أجنبيًا، بل تعيد توطينه في سياقها التاريخي الخاص، وتستخدمه لتوليد معنى جديد تمامًا. هنا يصبح الوحش ابن الاحتلال، وابن الطائفية، وابن الإهمال الرسمي، وابن الخراب الذي لم يعد الناس يملكون له اسمًا مناسبًا. ومن ثم فإن الرواية لا تستعير أسطورة جاهزة، بل تعيد إنتاجها بما يجعلها عراقية حتى النخاع.

العنف في الرواية

ليس حدثًا بل مناخًا كاملًا

لا يظهر العنف في هذه الرواية بوصفه لحظة استثنائية تنفجر ثم تنتهي، بل يظهر بوصفه مناخًا يلف كل شيء، ويعيد تشكيل اللغة والحب والخوف والذاكرة والمدينة. وهذا ما يجعل النص ثقيل الأثر، لأن القارئ لا يواجه حادثة مروعة واحدة، بل يدخل إلى عالم أصبح فيه العنف بنية يومية، وصار الناس يتصرفون على أساسه، وينامون على احتماله، ويفسرون العالم عبره. وحتى حين تظهر لحظات سخرية أو هدوء نسبي، فإنها تبقى مشبعة بإدراك خفي بأن الانفجار القادم محتمل دائمًا.

وهذا العمق هو ما يرفع الرواية فوق النصوص التي تكتفي بوصف الحرب من الخارج، لأن سعداوي يكتب أثر العنف لا مشهده فقط. يكتب ما يفعله العنف في المعنى، في الثقة، في قدرة الناس على الاستمرار من دون أن يتحولوا هم أنفسهم إلى نسخ مشوهة من المدينة التي يعيشون فيها.

السخرية السوداء: كيف تضحك الرواية من قلب الخراب

على الرغم من كثافة الموت والدم في فرانكشتاين في بغداد، فإن الرواية لا تُكتب بنبرة مأساوية صافية طوال الوقت، بل تستخدم السخرية السوداء بمهارة لافتة، وكأنها تقول إن الواقع بلغ من العبث حدًا لا يمكن وصفه إلا عبر هذا المزج بين الرعب والتهكم. إن الشخصيات أحيانًا تبدو وهي تتحرك داخل كابوس غير منطقي، لكنها تتعامل معه بمنطق الحياة اليومية، وهذا ما يخلق تلك المفارقة المؤلمة التي تجعل القارئ يبتسم أحيانًا ثم يدرك فورًا أن ما يبتسم له هو جزء من كارثة كاملة.

وهذه السخرية ليست للتخفيف فقط، بل للتعرية. إنها تفضح عبث السلطة، وعبث التفسيرات، وعبث المدينة التي تحاول أن تبدو طبيعية وهي تنهار، وتفضح كذلك الإنسان حين يحاول أن يتأقلم مع اللامعقول إلى الدرجة التي يصبح معها الوحش مجرد خبر آخر في سلسلة الأخبار اليومية.

اللغة والأسلوب: البساطة التي تحمل كثافة المدينة

يتميز أسلوب أحمد سعداوي في هذه الرواية بقدرته على أن يكون واضحًا وسهل التلقي في سطحه، من دون أن يفقد كثافته الرمزية والإنسانية. فهو لا يكتب بلغة متزينة أو متعالية، بل بلغة سردية مرنة، قادرة على التنقل بين الجدي والساخر، بين الرعب واليومي، بين الحوار الحي والوصف المشبع بالقلق. وهذه المرونة مهمة جدًا، لأنها تتيح للرواية أن تحتمل تعدد الشخصيات والمستويات، وأن تبقى متماسكة رغم اتساع عالمها وتشظيه في آن واحد.

كما أن الأسلوب يخدم المدينة نفسها: لا يوجد ترف لغوي زائد في عالم كهذا، بل يوجد اقتصاد مناسب لمدينة مفخخة، مضطربة، متوترة. ومع ذلك، فإن هذا الاقتصاد لا يعني فقرًا، بل يعني دقة في اختيار العبارة، وفي بناء الإيقاع الذي يجعل القراءة مشدودة حتى حين يتكاثر التأمل وتتعدد الزوايا.

لماذا بقيت الرواية مهمة؟

بقيت فرانكشتاين في بغداد رواية مهمة لأنها نجحت في أن تفعل أشياء قليلة تجتمع نادرًا في نص واحد: أن تكون مقروءة على نطاق واسع، وأن تحمل بعدًا نقديًا عميقًا، وأن تستخدم الخيال لا للهروب من الواقع بل لتكثيفه وكشفه. كما أنها استطاعت أن تقدم بغداد ما بعد 2003 لا في صورة تقريرية أو توثيقية جافة، بل في صورة فنية قادرة على البقاء والتجدد، لأن الوحش الذي خلقته الرواية لم يعد مجرد شخصية داخل النص، بل صار رمزًا قابلًا للاستدعاء كلما دخل مجتمع ما في دائرة العنف والانتقام والضحايا المتكاثرين.

ثم إن أهميتها تتجاوز العراق نفسه، لأنها تلامس سؤالًا أوسع: ماذا يحدث حين تفقد الدولة قدرتها الأخلاقية، ويصبح الدم هو اللغة الوحيدة المتداولة؟ ماذا يحدث حين يحاول المقتول أن يعود عبر جسد آخر، لا ليرتاح، بل ليستأنف القتل؟ في هذه الأسئلة بالذات تكمن عالمية الرواية، لأنها تكتب العراق بخصوصيته، لكنها تمس من خلاله مأزقًا إنسانيًا أوسع بكثير.

خاتمة

الوحش الذي لم يخرج من القبر بل من المدينة نفسها

في النهاية، لا تبدو فرانكشتاين في بغداد رواية عن مخلوق عجيب يتحرك في شوارع بغداد فقط، بل تبدو رواية عن مدينة صنعت وحشها من جراحها الخاصة، ثم لم تعد تعرف كيف توقفه. لقد كتب أحمد سعداوي نصًا طويل الصدى عن الخراب حين يبلغ درجة يعجز معها الواقع عن تمثيل نفسه إلا عبر المجاز، وعبر كائن مركب من أشلاء لا يطلب إلا العدالة، ثم يضيع في الطريق إليها حتى يصبح صورة أخرى من صور الجريمة نفسها. ومن هنا تأتي قوة الرواية: أنها لا تقدم وحشًا خارقًا للطبيعة بقدر ما تقدم مجتمعًا صار فيه الوحش ممكنًا، بل شبه منطقي، لأن كل شيء من حوله كان قد انهار قبل ظهوره.

ولهذا تبقى الرواية واحدة من أهم الأعمال العربية الحديثة، لأنها لم تكتب الحرب بوصفها معركة فقط، بل بوصفها تشوهًا أخلاقيًا وجماليًا في نسيج المدينة والإنسان، ولأنها استطاعت أن تجعل من “فرانكشتاين” اسمًا جديدًا لبغداد وهي تحاول أن تجمع نفسها من تحت الركام، فلا تجد إلا مزيدًا من الدم، ومزيدًا من الأسئلة، ومزيدًا من الأشباح التي لا تكف عن العودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *